من انتفاضة 12 آذار إلى اتفاق الدمج.. الكرد نحو الشراكة في سوريا الجديدة

غرفة الأخبار ـ نورث برس

بعد أكثر من عقدين على انتفاضة 12 آذار في القامشلي، تتبدّل شروط إحياء ذكراها مع سقوط نظام الأسد، واعتراف الدولة الجديدة بالحقوق الكردية، وتوقيع اتفاق دمج شامل مع قوات سوريا الديمقراطية.

في يوم 12 من آذار من كل عام، تعود صور شوارع القامشلي المشتعلة عام 2004 إلى الواجهة: مدرجات ملعب لكرة القدم تتحول إلى شرارة غضب، تظاهرات حاشدة في مدن وبلدات كردية، وانتشار كثيف لقوات الأمن والجيش لإخماد ما سُمّي يومها بـ “أحداث الشغب”. كان ذلك في زمنٍ ينظر في نظام الأسد إلى الكرد كملف أمني مغلق، أكثر منه مكوّناً سياسياً واجتماعياً أصيلاً.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على انتفاضة 12 آذار، يبدو المشهد مختلفاً جذرياً. النظام الذي فتح نيرانه على المتظاهرين سقط، وحلّت مكانه حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، تتبنى خطاباً معاكساً تقريباً في مقاربة القضية الكردية. من الاعتراف باللغة الكردية كجزء من الهوية الوطنية، إلى المرسوم الخاص بتجنيس مئات الآلاف ممن حُرموا من الجنسية لعقود، وصولاً إلى توقيع اتفاق دمج شامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ينقل مناطق سيطرتها من حالة الحكم الذاتي إلى إطار شراكة مع مؤسسات الدولة المركزية.

انتفاضة 12 آذار: الحدث الذي كسر الصمت الكردي

تاريخياً، شكّل 12 آذار 2004 نقطة انعطاف في علاقة الكرد مع السلطة السورية. قبل ذلك التاريخ، كانت سياسات التهميش والحرمان من الجنسية ومنع التعبير عن الهوية الثقافية واللغوية تمارس في الغالب بصمت، وبهوامش ضيقة للاحتجاج. مع انتفاضة القامشلي وما تبعها من احتجاجات امتدت إلى مدن كردية أخرى، تحوّل الاحتقان المتراكم إلى انفجار علني، كشفت ردّة فعل النظام يومها حجم الهوة بينه وبين شريحة واسعة من مواطنيه.

على مدى الأعوام اللاحقة، ظلّ إحياء ذكرى الانتفاضة فعلاً محفوفاً بالمخاطر الأمنية. بيانات حزبية كردية خجولة، وقفات رمزية، ومحاولات لإبقاء أسماء الضحايا في الذاكرة العامة. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتخذت ذكرى 12 آذار بعداً جديداً؛ صارت تُقدّم كإحدى الإشارات المبكرة على أن “المشكلة السورية” ليست فقط مطلب إصلاح سياسي، بل أيضاً سؤال عميق حول هوية الدولة وكيفية إدارتها للتنوّع القومي والمناطقي.

من سقوط النظام إلى سوريا الجديدة

بعد سقوط النظام السابق اتخذت القضية الكردية موقعاً مركزياً في النقاش العام، بفعل ما راكمته من رمزية منذ انتفاضة 12 آذار، ثم من خلال الدور العسكري والسياسي لقوات سوريا الديمقراطية في الحرب على تنظيم “داعش” وإدارة مناطق واسعة في الشمال الشرقي.

لم تعد ذكرى 12 آذار مجرد مناسبة احتجاجية صامتة، بل تحوّلت إلى محطة سياسية رسمية أيضاً: فعاليات ثقافية، ندوات سياسية، وإشارات واضحة من المسؤولين في الحكومة الانتقالية إلى ما وصفوه بـ”الظلم التاريخي” الذي تعرّض له الكرد، وضرورة تضمين معالجته في مسار العدالة الانتقالية والدستور القادم.

اتفاق الدمج: من خطوط التماس إلى مؤسسات واحدة

اتفاق الدمج بين الحكومة السورية الجديدة و”قسد” جاء ليترجم هذا التحول السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض. الاتفاق، الذي يقوم على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات ودمج المقاتلين والإدارات، يعيد ربط الشمال الشرقي بالدولة المركزية، ولكن وفق معادلة مختلفة عن تلك التي سادت قبل 2011.

في شقه العسكري، ينص الاتفاق على دمج مقاتلي قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع احتساب خدمتهم السابقة ومنحهم رتباً رسمية، وتشكيل وحدات جديدة ضمن الجيش السوري تتكوّن أساساً من المقاتلين القادمين من تلك القوات. هذا يعني عملياً الاعتراف بدورهم وبأنهم ليسوا “خصماً” للدولة، بل طرفاً في منظومتها الأمنية الجديدة.

أما في شقه الإداري، فيتضمن الاتفاق خطة من مراحل متدرجة لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الهياكل الحكومية، مع الحفاظ على حضور قوي للنخب المحلية في إدارة المحافظات والبلدات ذات الغالبية الكردية. ذلك يفتح الباب أمام نموذج إدارة محلية موسّعة الصلاحيات، دون صيغة انفصال أو فيدرالية مفروضة، وإنما ضمن إطار دستوري يجري التفاوض عليه وطنياً.

معنى أن يتذكر الكرد انتفاضتهم في “سوريا أخرى”

في العامين الأخيرين، بات إحياء ذكرى 12 آذار يجري في ظل ظروف مغايرة تماماً. ساحات المدن التي شهدت مواجهات دامية في 2004 تستقبل اليوم فعاليات رسمية وشعبية مشتركة؛ أعلام الثورة السورية وألوان العلم الكردي ترفع جنباً إلى جنب، وخطابات رسمية تتحدث عن “شراكة في الدم والمصير”، بدل لغة التخوين أو الإنكار.

وبالنسبة لكثير من النخب الكردية والسورية عموماً، يغدو الربط بين انتفاضة 12 آذار واتفاق الدمج أكثر من مجرد تتابع زمني للأحداث؛ إنه انتقال من مرحلة كان فيها الاحتجاج على الهامش، ومكلفاً إلى حد الدم، إلى مرحلة يصير فيها هذا الاحتجاج نفسه جزءاً من سردية رسمية تُبنى عليها دولة جديدة.

وبين التاريخين، تتشكل ذاكرة سياسية تقول إن ما كان يُعتبر يوماً “خروجاً على الدولة”، أصبح اليوم أحد أعمدة إعادة تأسيسها.

تحرير: عكيد مشمش