الرئيسيتحقيقات

“القوات الرديفة” من الفقر إلى القبر.. كيف عبث النظام بمصير الآلاف؟

تحقيق: نصر إبراهيم

اعتمد النظام السوري خلال سنوات الحرب الجارية على عدّة أشكال مسلحة، شملت استقطاب آلاف الموالين له من الشرائح الفقيرة، نظمهم في تشكيلات مسلحة عرفوا بدايةً باسم “الشبيحة” لقمع الاحتجاجات وفرض حالة من الرعب على النشطاء والسكان.

مع بداية عام 2012 تطوّرت الأشكال المسلّحة في البلاد لتتخذّ صبغة جماعية منظمة مع تحوّل الصراع إلى شكل أكثر تقليدي من الناحية العسكرية.

وأسست الأجهزة الأمنية العديد من الميليشيات التي عملت على استقطاب الشبان الذين لم يستطيعوا السفر خارج البلاد أو رأوا في بقاء النظام ضرورة وجوديةً لاستمرارهم كجماعة، وينطبق ذلك على الكثير من أبناء الأقليات وخاصةً من الطائفة العلوية.

وشكّلت هذه  الميليشيات تابعاً اجتماعياً لها بدعم روسي وإيراني، بقيادة أو إشراف بعض رموز النظام مثل هلال الأسد، ابن عم الرئيس السوري بشار الأسد، الذي قُتل عام 2014 ورجل الأعمال أيمن جابر.

يسرد هذا التحقيق قصصاً مأساوية لعناصر من هذه الميليشيات، ويكشف كيف ترك نظام دمشق عائلات من قتلوا في مواجهة مصيرها بمفردها، في حين أصبح ذووا القتلى فريسة سهلة لضباط همهم جمع المال وتحصيل الرشاوى. 

فرصة عمل مع سلاح

“كنت في السادسة والعشرين من عمري، وظننت أن الالتحاق بإحدى تشكيلات القوات الرديفة أفضل الخيارات التي أتيحت لي لأبقى بالقرب من عائلتي، وأحصل على راتب جيد، بدلاً من الالتحاق بالخدمة الإلزامية والذهاب إلى مكانٍ بعيد، مقابل راتب لا يكفيني”. يروي “زياد” قصته هكذا بكل اختصار وحسرة.

عندما التقينا زياد (اسم مستعار) الذي يبلغ الآن (35 عاماً)، كان يرتدي بدلته العسكرية التي تلازمه مع سلاحه منذ نحو عشر سنوات، ويقول: “في ذلك الوقت روج النظام لشائعة مفادها أن من ينضم إلى القوات الرديفة سيعتبر ملتحقاً بالخدمة الإلزامية أو الاحتياطية”.

لكن الشاب لم يكن يدرك أنه مع مرور الوقت سيتحوّل إلى ما يشبه “المرتزقة، أو سيعتبر متخلّفاً عن الالتحاق بالخدمة العسكرية”.

وبالرغم من أنه لم يتم سوق الملتحقين بالقوات الرديفة للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، إلا أنهم بعد عدة سنوات اكتشفوا أنهم في عداد المتخلفين عن “الخدمة الإلزامية”.

خلال السنوات الماضية شهد “زياد” مقتل العشرات من رفاق السلاح أثناء المواجهات الدامية مع قوات المعارضة المسلحة.

وبعد ثلاث سنوات من القتال لم يعد يملك الشاب خياراً آخر سوى الالتحاق بالجيش النظامي بعد تسوية وضعه، و”كأنني لم أحمل سلاحاً يوماً”.

لعل قصة “زياد” تمثل الحالة العامة لأولئك الذين التحقوا بالقوات الرديفة بعد تشكلّها بفترة قصيرة، فمع ظهور هذه القوات، انضم عدد كبير من المتخلّفين عن الالتحاق بالخدمة العسكرية  وغيرهم وخاصةً من الضباط المتقاعدين.

وكانت الإغراءات المادية التي تقدمها هذه القوات كافية لانضمام الشبان وكذلك الضباط المتقاعدين، فكان حجم الرواتب يصل إلى نحو خمسة أضعاف رواتب المجندين في الجيش النظامي آنذاك.

بالإضافة إلى ذلك تمكن بعض الملتحقين بهذه القوات من تحقيق مكاسب مادية سريعة غير معقولة من خلال إباحة ما عُرف بـ”التعفيش”، فكان للقوات الرديفة حصة الأسد عند دخول أي منطقة انسحبت منها قوات المعارضة ليستولي أفرادها على البيوت ومحتوياتها.

وطالت السرقات حينها كل شيء حتى أسلاك الكهرباء في الجدران.

يروي زياد مشاهداته فيقول: “كان بعضهم يجني الملايين أثناء عمليات التعفيش، كانوا يأخذون كل ما تقع عليه أيديهم، كانت المناطق التي ندخلها تبدو بعد بضعة أيام خاوية من كل شيء، وكأنها لم تكن مأهولة يوماً”.

تعبئة على وتر الطائفية

في البداية اتخذت القوات الرديفة طابعاً مناطقياً، فتشكلّت معظمها من أبناء الطائفة العلوية في محافظات الساحل السوري.

وفي هذه الأثناء ساهم رجال دين علويون إلى درجة كبيرة في تعبئة الشبان للانضمام إلى هذه القوات وخاصة في المناطق الريفية.

وبرز اسم الشيخ محمد رضا حاتم الذي ارتدى الزي العسكري وحمل البندقية بدلاً من الزي الديني التقليدي ليضفي على السلاح شيئاً من القداسة.

ويتحدر هذا الشيخ من  قرية بللوران شمالي اللاذقية، وهو أكاديمي درس الشريعة الإسلامية إلى جانب اللغة العربية، وينحدر من أسرة “حاتم” ذات الجذور الدينية الشهيرة في هذه المنطقة، ومن أبرز العائلات في المشيخة بالنسبة للطائفة العلوية.

واتخذت بعض القوات شعارات أو مسميات رمزية طائفية، وخاصةً بعدما أصبح استخدام النظام لها كمرتزقة أكثر وضوحاً.

يروي أحمد (25 عاماً)، الذي يعيش في إحدى القرى الصغيرة في ريف اللاذقية، كيف التحق عام 2013، عندما كان في السابعة عشرة من عمره، بما يُعرف بقوات الدفاع الوطني.

“شجعني الشيخ الذي علّمني الدين على القتال من أجل الدفاع عن وجودنا، وكان والدي قد تعرض لإصابة أعاقته عن العمل في تلك الفترة”.

ويقول: “شعرت أن الالتحاق بالقوات سيمكنني من إعالة الأسرة والدفاع عن وجودنا في آن معاً، خاصةً وأن الراتب الذي كان يبلغ 50 ألف ليرة سورية آنذاك شكلّ عامل إغراء لي، لكن ما واجهته عقب الانضمام كان بمثابة كابوس حقيقي”.

بين عامي 2012 – 2013 كانوا يجمعون الشبان ويتم سوقهم إلى قرية سطامو في ريف اللاذقية حيث تلقى أحمد مع عشرات الشبان ومتقاعدين من الضباط بعض التدريبات على عجل استمرت لنحو أسبوع فقط ثم زج بهم في معارك ضد قوات المعارضة.

يسرد الشاب تجربته الأولى في الحرب: “شعرنا بذعر هائل لحظة اندلاع المعركة وهو ما دفعنا للفرار. أذكر أن أحد الضباط المتقاعدين أصيب بجلطة أثناء الهروب لأن حالته البدنية لم تكن تؤهله للمشاركة في القتال”.

قتلى وجرحى بالآلاف

يحصل ذوو قتلى الجيش النظامي على تعويض يتراوح بين 800 ألف إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية تقررها وزارة الدفاع، فيما اعتبرت الوزارة قتلى القوات الرديفة “شهداء مدنيون” بداية الأمر.

وبالتالي لم يحصل جرحى هذه القوات أو عائلات قتلاها على الحقوق التي يحصل عليها ذوو قتلى الجيش، قبل أن يظهر مصطلح “قوات الدفاع الشعبي” بدلاً عن “القوات الرديفة”.

إلا أن التصنيف الجديد لم يكن يشمل جميع الذين قتلوا أو أصيبوا أثناء المشاركة مع القوات الرديفة.

يقول مسؤولون اشترطوا عدم ذكر اسمائهم إن “النظام أعطى التعويضات المتعلّقة بجرحى وقتلى هذه القوات بما يشبه المكرمات أو الهبات”.

فكون تشكيل هذه القوات وعملها كان خارج أي إطار قانوني أو له علاقة مباشرة بالدولة، فإنهم بدايةً لم يحصلوا على تعويضات بشكل منتظم أو من خلال قنوات رسمية.

بل أخذت هذه التعويضات طابعاً (أهلياً) من خلال “جمعية البستان الخيرية” التي كان يرأسها رجل الأعمال رامي مخلوف، حيث كانت تمنح ذوي القتلى والجرحى من القوات الرديفة مبالغ لم تزد عن 25 ألف ليرة سورية على فترات متباعدة.

ومن ثم عبر منظمّات تخضع لإشراف كبار الشخصيات في النظام مثل “مؤسسة الشهيد” و”مؤسسة العرين” اللتين تعملان تحت مظلة أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري.

وتقدّم “مؤسسة العرين”  التي حلّت مكان “جمعية البستان الخيرية”  لذوي بعض القتلى مبالغ شهرية تتراوح بين 30 – 45 ألف ليرة سورية (نحو 10 – 15 دولاراً أميركياً) دون وجود أي معايير تحدد قيمة المبلغ.

فيما أقرّت رئاسة مجلس الوزراء، تعويضاً شهرياً للجرحى المتضررين من قوات “الدفاع الشعبي” بنسبة من 40 بالمئة فما فوق بمبالغ شهرية تتراوح بين 80 – 120 ألف ليرة سورية في حالة العجز الكلي لعشرة أعوام.

على أن تمنح التعويضات من صندوق “جريح وطن”، إلا أن هذه التعويضات لا تشمل سوى جزء من جرحى وقتلى القوات.

ويبلغ عدد قتلى “الدفاع الشعبي” المسجّلين في محافظة اللاذقية وحدها نحو 2400، فيما يبلغ عدد الجرحى نحو 700.

إلا أن تقديرات جمعيات أهلية محلية تقول إن العدد يزيد عن ذلك بمئات الأعداد.

السيد طارق (اسم مستعار) وهو رجل ستيني صادفناه أثناء ارتياده دوائر حكومية بحثاً عن تعويضات مادية ممكنة عن وفاة ابنه مع إحدى تلك التشكيلات العسكرية خلال نقله لذخيرة، ولم يعتبر “شهيداً”.

وسجل في شهادة الوفاة أن السبب “غير ناجم عن الخدمة” مما حرم ذووه من كافة الحقوق التي تمنح لذوي “الشهداء”.

يقول الرجل: “بعض الجهات طلبت مني دفع ثلاثة ملايين ليرة، لتسجيل ابني في قائمة الشهداء”.

ولا يقتصر الفساد على (عسكرة) قتلى القوات الرديفة في الأوراق بل يمتدّ إلى نسب العجز الجسدي بسبب الحرب.

يقول محمد (30 عاماً) وهو أحد المقاتلين السابقين في القوات الرديفة، إنه تعرض لإصابة أدت إلى بتر قدميه، إلا أن نسبة العجز المقدّرة له هي 40 بالمئة، ولدى سؤاله عن السبب قال: “هاد الي كتبولي ياه”.

لكنه ذكر أن أحد الضباط لمّح له بوجوب دفع مبلغ ما في حال رغب في الحصول على نسبة العجز المستحقّة.

وليس  ثمة قانون يحدد نسب العجز والإصابة أو المبلغ يتم منحه للمصاب تبعاً لدرجة الإصابة، بل يترك الأمر لتقدير الضباط والموظفين.  

توجه سيزيد من المعاناة

إن عبرت ريف الساحل السوري فلن تمرّ أمام قرية دون أن ترى يافطة عند مدخل كل قرية تحمّل أسماء وصوراً لشبان قتلوا خلال المعارك إلى جانب النظام السوري.

وينتمي معظم هؤلاء إلى الطبقات الأكثر فقراً في الأرياف، فقد كان أبناء الريف القوام الرئيسي لهذه التشكيلات، انضموا إلى القتال لتحقيق بعض المكاسب المادية السريعة أو بسبب التجييش الطائفي مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد حكم الأسد.

تروي سها، وهو اسم مستعار لسيدة خمسينية قصة ابنها الذي يعاني من  شلل رباعي بسبب تعرضه لإصابة في الرأس أثناء القتال في صفوف القوات الرديفة: “يحتاج ابني إلى أدوية وحفاضات بشكل يومي بالإضافة إلى وجود من يعتني به طوال الوقت”.

وتبلغ تكلفة الحفّاضات وحدها أكثر من 200 ألف ليرة شهرياً، وذلك في حال توفرها”، واضطرت الأم إلى إصدار “بطاقة إعاقة” لولدها لتحاول كل شهر تأمين بعض الحفاضات بشكل مجاني من الجمعيات الأهلية.

إلا أنها لا تتوافر دوماً لدى هذه الجمعيات، كما أنها تتردد على المؤسسات الحكومية المسؤولة عن تلك الجمعيات مراراً لتلبي طلبها.

 وتقول: “ليس لدي أي دخل باستثناء المرتب الذي وصل في الأشهر الأخيرة إلى 120 ألفاً، ولا يمكنني العمل لأن علي الاعتناء بابني”.

يقول مسؤولون حكوميون تحدثوا إلينا إن هناك اتجاهاً قائماً في الوقت الحالي في الجمعيات الأهلية يهدف لتقليل عدد المستحقين للمساعدات الممنوحة من قبلها وهو ما سيزيد من معاناة العائلات أكثر فأكثر.

نهايات مفتوحة السلاح فيها سيد الموقف

حوّل النظام مناطق مؤيديه وخصوصاً الساحل السوري إلى مناطق سكنية تحتضن بؤراً عسكرية وأمنية، لتصبح المظاهر المسلّحة في الشارع أمراً معتاداً منذ عام 2011.

فالسلاح المتفلّت أدى إلى المزيد من التكريس لأشكال مختلفة من العنف في الحياة اليومية، وربما أبرز تلك الحوادث التي شهدها الشارع السوري مؤخراً، ما شهدته مدينة طرطوس، وأودى بحياة  ثلاثة أشخاص وجرح 13 آخرين.

وبأدت القصة حينما رمى أحدهم قنبلة على شقيق زوجته بعد خلافات عائلية، كما شهدت اللاذقية مقتل شاب ببندقية مطلع تشرين الأول/أكتوبر الفائت نتيجة خلافات شخصية أيضاً.

والآن يحاول النظام امتصاص غضب جرحى وذوي قتلى القوات الرديفة، الذين شعروا أنه تم جرّهم إلى لعبة خرجوا منها دون أي مكتسبات، من خلال نشر شائعات عن نيته إصدار قرار يعتبرهم جزءاً من الجيش النظامي.

لكن هذه الشائعات تتناقض تماماً مع ما أشار إليه المسؤولون الحكوميون بتوجه الجمعيات الأهلية إلى تقليل عدد المستفيدين مما تمنحه.

ويقول ذوو قتلى إن هذه الشائعات ليست إلا فخاً يقود النظام إليه الناس مرةً أخرى أو محاولة يائسة منه لجعلهم يعيشون على أمل زائف.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى