حفر عشوائي في مواقع أثرية بجبل الزاوية و”تحرير الشام” شريكة الجميع
إدلب- نورث برس
تعرضت جميع المواقع الأثرية المعروفة في جبل الزاوية بريف إدلب شمال غربي سوريا، خلال السنوات الماضية، لعمليات تنقيب وحفريات كبيرة شارك فيها عناصر لفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) بشكل مباشر.
ومن أهم القرى الأثرية في جبل الزاوية، البارة وسرجيلا وبشيلا ومجليلا وبعودا وبترسا ووادي مرتحون وكوكبا والمغارة ولعلنتا ودلوزة ودير سنبل وعين لاروز وفركيا وبليون وشنشراح .
ويمثل موقع البارة الأثري، الذي يعتبر الآن خط تماس مع قوات الحكومة، نموذجاً لأعمال التنقيب العشوائي وغير المشروع، فعناصر الفصائل يحفرون المكان بحجة أنهم يقومون بأعمال تحصين وخنادق قتالية.
وقال نزيه الحمصي، وهو اسم مستعار لشاب يعمل في البحث عن الآثار في إدلب، إن عشرات الأشخاص في إدلب يعملون في التنقيب العشوائي، معظمهم يتلقون تسهيلات من هيئة تحرير الشام.
وأضاف لنورث برس أن عملية التنقيب تتم مقابل حصول الهيئة على نسبة في حال العثور على ذهب أو قطع أثرية ثمينة.
وتضع اتفاقية لاهاي (1954)، المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، قواعد لحماية السلع الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
غير أن مجموعات منظّمة نهبت المتاحف والمواقع الأثريّة في سوريا بهدف الاتجار غير الشرعي بقطعها النادرة، بحسب ما وثقته منظمة اليونسكو.
وخلال مؤتمر عقد في العاصمة البلغارية لبحث سبل مواجهة نهب الآثار السورية في أيلول/سبتمبر عام 2015، قالت إيرينا بوكوفا، مديرة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة (اليونسكو) إن “الصور الفضائية أظهرت أن المواقع الأثرية في سوريا تنخرها الآلاف من الحفريات غير القانونية”.
“الهيئة شريكة الجميع”
وقال “الحمصي” إن “أشخاصاً محسوبين على هيئة تحرير الشام يقومون بشراء القطع الأثرية وغيرها من الأشخاص العاملين في التنقيب، إذ يقومون بشرائها وتهريبها إلى تركيا لبيعها هناك بمبالغ خيالية”.
وأضاف: “قبل نحو ثلاثة أشهر عثر أحد أصدقائي على مدفن أثري يعود للحقبة الرومانية في موقع أثري بمنطقة جبل الزاوية (لم يذكر مكانه)، وجد بداخله ما يقارب 150 كيلوغراماً من الذهب الخالص، إضافةً إلى تماثيل صغيرة ورموز قديمة”.
وقال إنه “فوجئ بعد ساعات بمداهمة عناصر من تحرير الشام لمنزله، وقاموا بطلب نسبة 40 بالمئة، إضافةً إلى غرامة مالية وصلت إلى 50 ألف دولار بحجة عدم قيامه بالتنسيق معها”.
وأشار “الحمصي” إلى أن الأشخاص العاملين في التنقيب إضافةً إلى التجار الذين يقومون بشراء القطع الأثرية جميعهم أو أغلبهم يعملون بإذن من “الهيئة” مقابل حصولها على نسبة.
“قصف مدمر”
وقال منير قساس، وهو أحد كوادر متحف إدلب، لنورث برس، إن المواقع الأثرية في منطقة جبل الزاوية تعرضت خلال الآونة الأخيرة للقصف المكثف بعشرات القذائف المدفعية والصاروخية من قبل قوات الحكومة المتمركزة في الحواجز القريبة.
وأضاف أن ذلك أدى لأضرار كبيرة فيها وتدمير البعض منها بشكلٍ شبه كامل.
وتضم منطقة جبل الزاوية مواقع أثرية هامة، بعضها مازال ظاهراً للعيان بأطلالها وأبنيتها الحجرية والبعض الآخر اندثر ولم يبق منها سوى كتل حجرية.
اقرأ أيضاً
- منظمة حقوقية تتهم تركيا “بنسب أماكن دينية في عفرين إلى التاريخ العثماني”
- دلائل مصوّرة لنهب تركيا والمعارضة السورية لآثار عفرين وسرقة منحوتة الأسد البازلتي من تلة عين دارا
- “المَحَج الماروني”.. موقع أثري بعفرين من مقصدٍ للحجاج إلى تدميرٍ وتخريب
وأشار” قساس” إلى أن معظم القرى الأثرية في منطقة جبل الزاوية تعرضت لأضرار مختلفة لا يمكن بدقة تحديد نسبة الأضرار لأنها متفاوتة من موقع لآخر وأحيانا ضمن الموقع نفسه.
وحتى الآن، تتعرض مواقع البارة وسرجيلا وشنشراح ووادي مرتحون ودلوزة ودير سنبل وعين لاروز للقصف، لقربها من خطوط الاشتباك.
وتهدد أعمال ﺍﻟﺘﻨﻘﻴﺐ غير المشروعة والعشوائية والتي تتم ﺑﺄﺳﺎﻟﻴﺐ ﺑﺪﺍﺋﻴﺔ وبأيدي ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻟﻴﺲ ﻟﺪﻳﻬﻢ إلمام بعلوم ﺍﻵﺛﺎﺭ والتنقيب، بضياع وزوال قطع ومواقع أثرية تشهد على تاريخ حافل يعود إلى آلاف الأعوام.
ويتعامل ﺗﺠﺎﺭ وسماسرة الآثار في إدلب مع آخرين ﻓﻲ تركيا، ﻭمن هناك ﻳﺘﻢ ﺑﻴﻌﻬﺎ ﻟﻤﺘﺎﺣﻒ ﻭﻣﻬﺘﻤﻴﻦ ﺑﺎﻵﺛﺎﺭ ﻓﻲ أوروبا.
وفي تقرير سابق، قال أحد مهربي الآثار في إدلب إن التجّار الأجانب يشتكون من أن بعض القطع الأثرية القادمة من سوريا متضررة بسبب الحفر بأدوات غير مناسبة للتنقيب، “ما يؤدي إلى فقدانها لمعالمها وقيمتها.”
أضرار بالغة
وقال العامل في متحف إدلب إن عمليات الحفر بحثاً عن اللقى مستمرة منذ سنوات، حيث تعرضت مواقع كثيرة للتخريب والتكسير المتعمد للتوابيت والمدافن الحجرية.
“لا سيما في المدفن الهرمي بمنطقة البارة، إضافةً إلى الحفر العشوائي وتكسير الحجارة الأثرية لاستخدامها في البناء مجدداً”.
وأشار إلى قيام مهتمين بالآثار مع متحف إدلب بمحاولات لوضع قانون للآثار يمنع ويجرم عمليات التنقيب والتجريف والتكسير، إلا أن ذلك لم ينجح حتى الآن.
ورأى “قساس” أن من الصعوبة حماية المواقع الأثرية في منطقة جبل الزاوية وخاصة في الوقت الحاضر، حتى يتم وقف إطلاق النار، “أو عن طريق تدخل المنظمات العالمية المهتمة بحماية الآثار مثل اليونسكو”.
وأضاف أنه يمكن بعد ذلك القيام بتدخلات إسعافية للمباني التي تضررت من خلال تدعيمها وحمايتها من السقوط.
ولكن ذلك يتطلب جهوداً جبارة من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المهتمة بالآثار، والمجتمعات المحلية والعاملين في مجال الآثار، بحسب “قساس”.
