سلوك نظام الأسد يحد من شهية الاتحاد الأوروبي في إعادة الاعمار

ألمانيا- فرهاد حمي

من بين الإجابات الملفتة التي جاءت على لسان المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري في حواره مع صحيفة ” الشرق الأوسط”، كانت تلك الجملة التي تقول: ” ليس هناك أموال للإعمار قبل ذلك (تغيير السلوك)، الأوروبيون والأمم المتحدة والدول العربية معنا في ذلك”.
ويبدو أن هذا الكلام يتضمن توبيخاً مبطناً حيال الدول الأوروبية الرئيسية” ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وانكلترا” لتمتعها بقدرات اقتصادية هائلة التي تؤهلها لتمويل إعادة الاعمار في سوريا، بصرف النظر عن الحكمة التي تقول” لا للإعمار من دون أن تضع الحرب أوزارها”، وهو عامل يراهن عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إحداث اختراق في المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
مما لا شك فيه، أن الدول الأوروبية ومنذ عام 2018 بدأت تنقسم على نفسها حيال الملف السوري، على الرغم من أن الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي لا يزال ثابتاً في وجوب تغير النظام السياسي في سوريا وفق قرار الأمم المتحدة 2254 الذي يجيز بضرورة ” الانتقال السياسي السلمي للسلطة في البلاد بما ينسجم مع تطلعات الشعب السوري”. وهذه المقاربة الرسمية لم تمنع من إحداث الشرخ بصورة منفردة في جسم دول الاتحاد الأوروبي التي تطالب بأهمية تطبيع العلاقات مع حكومة بشار الأسد.
من بين الدول التي غردت خارج سرب الموقف الرسمي الأوروبي، كانت كل من إيطاليا وبولندا وجمهورية التشيك وهنغاريا، وذلك عبر إرسال مندوبين دبلوماسيين إلى دمشق من قبل بولندا، واقتراح وزير الخارجية الإيطالي إنزو موافيروا ميلانيزي بإعادة فتح السفارة الإيطالية في دمشق، ومنح الحكومة الهنغارية حق الإقامة لرجل أعمال سوري، كان يمول حكومة بشار الأسد حسب قائمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على حكومة دمشق، تناقض موقف الحكومة التشيكية بصورة صارخة مع سياسة الاتحاد الأوروبي الرسمية عبر إبقاء علاقاتها الدبلوماسية مستمرة مع الأسد، وفتح أبواب سفارتها في دمشق.
وعلى خلفية تمديد الرئيس الأمريكي العقوبات الاقتصادية على نظام بشار الأسد مؤخراً، وإعلامه وزارة الخزانة الأمريكية في مراقبة عملية نقل السفن التي تحمل النفط والغاز إلى سوريا، كان الاتحاد الأوروبي بالتوازي يوسع من نطاق العقوبات على رجال الأعمال والشركات التي تعمل مع النظام السوري في مستهل هذا العام؛ كما أن الجانب الأمريكي وفق ما قاله جيمس جيفري سيكرس سياسة” الحرب الاقتصادية والدبلوماسية الشاملة” ضد الحكومة السورية، بما ينسجم مع مشروع قانون موسع ينتظر الموافقة من مجلس الشيوخ، وهو مشروع صارم يستهدف ليس فقط الكيانات والشركات التابعة للحكومة، وإنما يشمل أيضا الأطراف والدول التي قد تشارك في عملية إعادة الاعمار _الأمر الذي لقي انتقادات حادة في بعض الأوساط الأوروبية تحت تصنيف ” الحرب الاقتصادية المزدوجة” ضد قطاعات حيوية تستهدف الناس الذين يعيشون تحت حكومة مستبدة وفاسدة، ويعانون بنفس الوقت من ويلات عقوبات المجتمع الدولي، عدا عن أن العقوبات من غير المرجح أن تحقق هدفها المعلن في عملية الانتقال السياسي في البلاد حسب وجهة نظرهم. في حين شككت بعض الأطراف الدبلوماسية بفعالية العقوبات الأوروبية، طالما يستمر تدفق السلع وبعض الاحتياجات الإنسانية إلى سوريا عبر المنظمات المدنية التي تتلقى الدعم والمساندة من الاتحاد الاوروبي.
غير أن بعض الخبراء قدموا نظرة أكثر واقعية، وعقدوا المقارنة بين تكاليف إعادة الإعمار التي تبلغ ما بين /200/ إلى /500/ مليار دولار، وبين قدرة بعض الدول الأوروبية الاقتصادية المنحازة إلى حكومة دمشق. كما أنه ثمة تناقض قانوني يحد من المساهمة في عملية إعادة الاعمار حسب بعض الأصوات الدبلوماسية الأوروبية، نظراً أن استمرارية العقوبات الأوروبية على حكومة الأسد، والتي من المرجح أن تتجدد لغاية 2020، لا ينسجم مع أي حديث يتناول الشروع في مشاريع عملية إعادة الاعمار.
وتفحص الخبراء بصورة قريبة، المشهد الداخلي لتلك الدول المنحازة لحكومة الأسد، حيث أوضحوا بأن إيطاليا نظرياً، تحتل المرتبة الرابعة اقتصادياً في كيان الاتحاد الأوروبي، كما أن ائتلاف الحاكم الحالي اليميني يتعاطف مع النظام السوري، إلا إنها تعاني في الوقت الحالي من عجز في ميزانيتها الداخلية، وتخوض مفاوضات شاقة مع بروكسل بغرض التحسين من عجز ميزانيتها. وتبعاً لذلك، من المستبعد أن تنجر إلى تصعيد الصراع مع بروكسل على خلفية العقوبات المفروضة على سوريا وروسيا، بل من المتوقع أن توظف هذه المقاربة في تمكين موقفها التفاوضي نهاية هذا العام، بهدف الحصول على مواقف أكثر ليونة من بروكسل حيال العجز الاقتصادي السائد في البلاد. في حين قلل الخبراء من أهمية كل من بولندا وجمهورية التشيك وهنغاريا في أن تؤدي دوراً هاماً في عملية إعادة الاعمار، نظراً أن هذه الدول تصنف من بين الاقتصاديات الضعيفة، وتتمتع بموارد محدودة.
من بين المعطيات التي تستثمرها هذه الدول، التي تسيطر عليها حكومات اليمين المتشدد، وتدفع الاتحاد الاوروبي إلى التطبيع وعملية إعادة الاعمار عبر بوابة حكومة بشار الأسد، هي ورقة “اللاجئين”.
 وبذلك تتشاطر هذه الدول مع الدبلوماسية الروسية للضغط على بروكسل في هذا المنحى.  غير أن استطلاعات الرأي مؤخراً كشفت أنه على الرغم من أولوية مسألة اللاجئين في تحديد المناخ السياسي للاتحاد الأوروبي، إلا أنّ هذا الملف تراجع نسبياً في تحديد السياسة المحلية للدول التي تعتبر قضية اللاجئين مسألة مركزية مثل فرنسا وإيطاليا. 
 وحتى ألمانيا التي تستضيف حصة الأسد من اللاجئين تعيش في وضع مستقر نسبياً؛ حيث نشرت صحيفة “واشنطن بوست” هذا الأسبوع تقريراً تؤكد فيه بأن المستشارة الألمانية ،التي لم تخسر مستقبلها السياسي وتتخذ مع أحزاب الوسط الليبرالي موقفاً صارماً ضد الحكومة السورية، بدأت تجني هي وبلادها ثمار هذه التجربة بعد انخراط عدد كبير من اللاجئين في دورة العمل والإنتاج داخل الشركات الألمانية، علاوة على أن المشهد السياسي المحلي في ألمانيا يشهد تراجع في تأثير خطاب حزب ” البديل ” المناهض للاجئين على الشارع الألماني وصعود لحزب الخضر المساند بشكل وثيق لقضية اللاجئين.
وتبعاً لهذه التقديرات، فإنه على المدى القريب والمتوسط قد يستمر الجدال بين الأطراف المساندة لتطبيع علاقات مع حكومة بشار الأسد وتخفيف من حدة العقوبات والمساهمة في عملية إعادة الاعمار، وبين الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي المتماهي مع الولايات المتحدة الامريكية، الذي يشترط ” التحسين في سلوك النظام”.
 ومن المرجح أن الاتحاد الأوروبي لن ينفق أموال باهظة مستقبلا في عملية إعادة الاعمار وسط الشروط الحالية في المشهد السياسي في سوريا، سيما أن الحكومة السورية أطلق مؤخراً تصريحات إعلامية على لسان بشار الأسد والمستشارة الإعلامية بثنية شعبان برفض أي مشاركة محتملة من قبل الدول الغربية في خطط إعادة الاعمار في البلاد، مفضلا عوضاً عن ذلك كل من الصين وروسيا وإيران.