القاصة سلوى زكزك: ما اكتبه هو تأثر البيئة والبشر بالصراع
قامشلي – نورث برس
استطاعت قصص “يوم لبست وجه خالتي”، وكاتبتها القاصة سلوى زكزك، تحقيق حضور كبير على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي لقاء خاص مع نورث برس، قالت “زكزك”: ألتقط الشخصيات من الواقع المباشر، ولم يعد وجود لأي أقنعة تغطي الواقع.
وأضافت القاصة التي تقيم في دمشق: “القصص كلها تسيل كالماء، بعض الشخصيات دلني عليها الأصدقاء والأقارب وقالوا لي اكتبي عنها.”
وباتت الكتابة مطلوبة ومرحب بها، “أنا لا أعيد صياغة الشخصيات أبداً. يقتصر عملي على تأطيرها بإطار قصصي محكم ومقبول، وكأني أجهز لها مكاناً في صدر القصة لتظهر وتعبر عن ذاتها ولتبدأ بالقص.”
وعن جغرافيا المكان القصصي، قالت إن لها عالمها الخاص “امتدادي النفسي والجغرافي، لكل مكان رائحة أحفظها جيداً، التفاصيل موجودة لكن الإمعان بها طبع خاص لدي، أحب التفاصيل وأسعى وراءها لأثبتها كبطل أصيل في القصة.”
وشددت على أن “المكان ليس تفصيل، بل حضور وتاريخ وتبدلات وإشارات وطقوس ولغة، الأماكن هي الشاهد على حيوية البشر، وهي حاضن للغتهم وكل تبدلاتهم، وحتى لعواطفهم ودموعهم المعروكة بالمكان.”
وقدمت القاصة مثالاً على ذلك “القصر العدلي” الذي “يعني لي بحراً من دموع النساء. حتى البول المنثور في الزوايا هو تفصيل إضافي لروح المكان، وكذلك القمامة التي باتت معلماً من معالم الشح والفقر المدقع.”
وعن كيفية بناء الصراع القصصي قالت إن “الصراع خارج خياراتنا ولا قدرة لنا على التدخل به، ما أكتبه هو تأثر البيئة والبشر بالصراع، نرصد ملامح الصراع وأثره على الناس، لأن الصراع قوي والكل يذكره ويشير إليه ويجره لجهته.”
وأضافت: “أما الهامش وأهله فهم ضحايا الصراع فهم المغيبون حتى عن الذكر. كل صراع يفرز متحكمين جدد. لذلك أربط بين أطراف التحكم وأطراف التأذي المباشر وغير المعلن. أترك الصراع لتجاره والمتحكمين به.”
وترصد “زكزك” الحضور النسوي المميز بالقول: إن “النساء أثبتن قوة غير معهودة، حضور قوي وعاطفي بنفس الوقت. ما يمكن تسميته بالدور الريادي. أيضا الإرث الثقيل لصبر النساء. والحيف الواقع عليهن تاريخياً خلق عندهن مناعة ضد الاستكانة.”
كما أن “القصة تتعلق بالابن المفقود، والرجل المغيب، والأحفاد اليتامى، هذا كله حمل ثقيل عليهن. النساء أجمل في قصصي لأن الحرب لم تكسرهن بل زادتهن صلابة.”
وتقول عن حضور الرجال: إنهم “استسلموا للتعب، وفي بعض الأماكن تخلوا عن أدوارهم مثل الإنفاق خوفاً من العبء الأمني أو لغياب فرص العمل.”
وصارت الكلمة الفصل لمن ينفق “وهن النساء” دون السؤال حتى عن مصدر الدخل. “تبادل أدوار قسري وطوعي في نفس الوقت”، بحسب القاصة.
وأشارت إلى أن النساء أيضاً يصنعن الحب حتى تحت القصف، أما الرجال يعتريهم الخوف أو الجمود، وتزيد مطالبهم لغيرهم بأخذ أدوارهم بدلاً عنهم.
وتتناول قصة “فائض عن الحاجة” لـ”زكزك”، قضية الإجهاض، إنها “قضية عامة وليست خاصة، وعمليات الإجهاض غير القانوني تجري بانتظام ودون أي عواقب، ومن زمن طويل. الفرق هنا هو قرار النساء بإعلان قرارتهن بالحب دونما زواج.”
وأضافت أن هناك من يقول بأن “الفساد الأخلاقي هو من نتائج النزاع، بينما في الحقيقة النزاع مرهون دوماً بكسر كل الصنميات والنمط التقليدي من التفكير وخاصة عند النساء.”
وتكررت هذه الظاهرة في كل البلاد التي عانت من النزاع. “لن تعود النساء إلى ما قبل، ربما تبدو خطواتهن نحو الحرية الشخصية بما فيها حق الإجهاض متعثرة وظالمة لهن. لكنها كطائر طار من القفص ولن يعود إليه”، بحسب “زكزك”.
وتقول عن رؤية الآخرين لها: “يصفني البعض بالحالمة، لكن للأسف لم يتم حتى الآن دراسة التغير الحقيقي بما يخص حيوات النساء وتعاملهن المستجد مع حريتهن الشخصية ومدى تجذرها في المجتمع.”
وأرجعت السبب في هذا: “لأنها بعد التجذر ستفرض نمطاً مختلفاً تماماً. نمط مستجد من التفكير ومن الممارسة ومن التقبل المجتمعي.”
وحول التميز بين قضية العاطفة والشوق تقول: “الشوق أكبر من العاطفة. الشوق آلية وقائية بمواجهة النسيان، وهو علامة فارقة تؤكد حاجتنا للآخر وتثبت قدرتنا على أن نكون في مكانين مختلفين لكن بنفس العاطفة.”
وتعمق مفهوم الشوق بـ”الشوق متجدد وإبداعي، قد يدفعنا مثلاً لزيارة دراماتيكية لمكان بلا معالم، لكن حضورنا يستعيد كل المعالم ويثبتها. الشوق عاطفة ترفض تقبل الإلغاء”، بحسب القاصة.
وعن حساسيتها الفنية ذكرت: “أنا فعلياً ممتنة للفيس بوك، ضاعف من خبرتي بالكتابة. بعض الأصدقاء نصحني بالكتابة في أسلوب فني مهما كانت المضامين بائسة.”
وحبها للقص دفعها للسرد “أنا منذ وعيت أحب أن أروي. أن أؤلف الحكايا غير القابلة للتصديق ومن ثم تمثيلها أمام أهلي وأصدقائي وأقراني.”
وتميز بين كتابتها الأولى، وكتابتها الآن بالقول: إنها “تقترب من اليومي المعاش للفني المحترف، أنا الآن لست كما كتبت في المرة الأولى، وهذا طبيعي، ومع هذا يوجد من لا يستسيغ ما أكتبه.”
وعن توصيف الحرب السورية بالحرب الأهلية تقول بأنه غير موافقة على صيغة أو توصيف الحرب الأهلية، “لا أرى أن ما حصل هو حرب أهلية أبداً. الحرب موجودة رغماً عن الجميع.”
وأضافت: “لم أكتب يوماً عنها وكأنها أمر طبيعي أو كأنها مكسب لأي طرف. في توصيف الحرب أنا لست حيادية ابداً. الجنازات منعكس وظيفي للحرب.”
وتعبر عن رفضها للحرب بالقول: “رفض الحرب ممكن أن ينحرف عن الخطابية نحو مسار أو لغة أدبية تثمن الخسارات وتشير إلى التبدلات.”
وتصف القاصة دمشق بقولها: “الغالبية يعتقدون أني دمشقية الجذور مع أن جذوري قروية. لدمشق هوية خاصة، خادعة، هي كل شيء ولا شيء، هي مركز الصراع وهي بؤرة التبدلات وهي منطلق الحل.”
وأما عن خصوصية المجتمع المدني ترى أنه في “أحسن أحواله رغم عدم الاعتراف الرسمي به. الحرب كانت قاعدة تعريف السوريين والسوريات بهوية مختلفة عن الهوية التقليدية التي لم يتعرفوا لغيرها يوماً.”
وقالت القاصة سلوى زكزك: “لن تنهض سوريا بدون تشريع وجود وتفعيل دور المجتمع المدني هو مطالب بالحيادية والخبرة والموثوقية.”