محلل أمريكي لـنورث بريس: مرحلة المخاطرة الأمريكية بالتصعيد ضد إيران انتهت يوم أمس
واشنطن – هديل عويس – NPA
فاجئ الرئيس ترامب العالم بإلغائه ضربات عسكرية مفترضة رداً على اسقاط الإيرانيين لطائرة استطلاع أمريكية مسيّرة بعد يوم من تصاعد التوتّر.
وعلى الرغم من إحاطة الرئيس ترامب نفسه بعدد من الجمهوريين المؤيدين لمواجهة تصعيدية مع إيران مثل وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشاره للأمن القومي جون بولتون المؤيد للتصعيد العسكري ضد إيران، الا أن الرئيس ترامب تماشى في النهاية مع الخط الذي انطلق به في حملته منذ يومها الأول ومناخ الفئات الناخبة له والتي كسب تأييدها في انتخابات 2016 بسبب طرحه المستقل عن الرؤى التقليدية للحزب الجمهوري.
ولا يثير موقف الرئيس ترامب الكثير من الاستغراب إذا تابعنا تصريحاته الواضحة منذ بداية اطلاق حملته، التي واجهت في خطواتها الأولى عقبات مع القاعدة التقليدية للحزب الجمهوري، حيث كانت أهم الخلافات بين ترامب والجمهوريين التقليديين هي انعزالية في السياسات الخارجية واعتباره الحروب الخارجية طويلة الأمد وخاصة في الشرق الأوسط ليست في صالح الأمريكيين واقتصادهم، حتى أن المراحل الأولى من ترشح الرئيس ترامب جوبهت برفض أعضاء تقليديين في الحزب الجمهوري مثل عائلة (بوش) التي لا ترى في ترامب جمهورياً حقيقياً، ليهدد ترامب في بدايات انطلاق حملته بالترشح كمستقل ما لم يقبله الحزب الجمهوري مرشحاً له.
وكما اعتمد ترامب في حملته على رؤيته وحدسه الخاص حول نبض الشارع الأمريكي، غيّر في اللحظة الأخيرة القرار بتوجيه ضربات كان من المزمع أن تكون مخففة ضد إيران.
هل كانت الـ “ضربات المخففة” ضد إيران مخاطرة غير محسوبة ؟
يقول المحلل الأمريكي تيودور كاراسيك لـ “نورث برس” أن أهم سؤال كان يسأل في البيت الأبيض يوم أمس هو، هل من الممكن توجيه ضربات مخففة لنظام كالذي يحكم طهران، وهل هناك أي تحرك “مخفف” لن يؤدي الى حرب شاملة قد تؤدي الى تدمير فترة ترامب الرئاسية سياسياً من خلال شن حرب يرفضها كل الأمريكيين؟

يقول كاراسيك “الجواب كان لا، لا يمكن توجيه ضربات محدودة لنظام طهران كما يحدث مع الأسد مثلاً، وذلك لعدة أسباب تاريخية وجيوسياسية وأخرى مرتبطة بالتطورات الحالية فاستهداف أراضي إيران لم يكن أمراً ليحدث بهذه البساطة في أي عصر من عصور هذه الأمة وكانت خطوة ستجمع الإيرانيين بشكل وثيق حول حكومتهم في طهران معتبرة الهجوم اعتداءاً تاريخياً على الأمة الإيرانية.”
ويضيف كاراسيك؛ “تصعيد النظام الإيراني الى هذا الحد وراءه حقيقة مؤكدة وهي أن النظام في طهران بات يعرف جيداً مكاسبه وخسائره وبات يرى أن العقوبات الاقتصادية هي فعل شن حرب عليه, فهي تؤثر على الإيرانيين في كل يوم، وتؤدي الى انهيار النظام من الداخل وخسارته كل شيء وخاصة بعد خطوة ازالة الاستثناءات على مشتري النفط، وبالتالي بات الخيار الإيراني وخاصة أمام مراقبة المناخ السياسي الأمريكي الرافض للذهاب الى حروب تغيير أنظمة هو الخيار الأفضل والذي يبدو أنه أفضى الى متنفس في النهاية حيث يدعو الرئيس ترامب الان إيران عبر سلطنة عمان الى الحوار. “
ويقول كاراسيك إن كلمة السر التي جعلت الرئيس الأمريكي يتراجع عن الضربة هو تقديره, وهو تقدير صائب بأن “إيران سترد على أي ضربة حتى لو كانت رمزية بطريقة تصعيدية ومؤذية تجر أمريكا و المنطقة الى حرب وهي آخر ما يريده الرئيس ترامب كإرث رئاسي له.”
الحوار بوساطة عمانية
أرسل الرئيس ترامب يوم أمس عبر سلطنة عمان رسالة الى طهران مفادها “تعالوا الى الحوار أو استعدوا للضربات” ولكن الحوار هو ما فعلت طهران كل هذا التصعيد للوصول اليه، وتحديداً حوار يفضي الى مفاوضات ترفع العقوبات أو شيئاً منها لتحصل إيران على متنفس اقتصادي بعد سنة من حملة عقوبات هي الأقسى في تاريخ إيران.
إلا أن الخلاف حول ماهية الحوار من وجهة نظر أمريكا تختلف عن الحوار الذي يفكر به حكام طهران، فالإدارة الأمريكية مزقت الاتفاق النووي للعام ٢٠١٥ لأنها رأت أنه غير عادل للولايات المتحدة وحلفائها، فصحيح أن الاتفاق الآنف ضمن عدم تطوير إيران لبرنامجها النووي لبضعة سنوات، الا أنه لم يكن اتفاقاً طويل الأمد يضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي مستقبلاً، كما لم يشمل سلوكيات إيران الاخرى التي تراها واشنطن ضارة بمصالحها مثل الميليشيات التابعة لإيران وبرنامج الصواريخ البالستية.
ولطالما تحدث وزير الخارجية بومبيو عن 12 شرطاً أمام إيران للجلوس معها على طاولة حوار، إلا أن الوضع ازاء هذا التصعيد الإيراني والرسائل الإيرانية شبه اليومية بأنها ستختار التصعيد اذا لم يتوقف الضغط الاقتصادي قد يغير رأي الادارة حول مدى التزامها بالشروط الاثني عشر.
يقول كاراسيك ” لابد من أن تقوم واشنطن بالتلويح لإيران بأي ورقة ايجابية لتقنعها على وقف التصعيد الذي يحرج الادارة ويتسبب بمخاطر حقيقية لاندلاع حرب كبرى في المنطقة” ويؤكد كاراسيك على أن التنازلات التي تريدها إيران هي متنفسات اقتصادية فمن الممكن أن تكون هناك مثلاً خطوة أمريكية باتجاه منح بعض مشتري النفط الإيراني استثناءات مجدداً لشراء النفط وتعويض بعض خسائر إيران، أو من الممكن أن تقوم إيران بوقف تهديدها النووي الأخير بزيادة التخصيب والعودة الى برنامجها مقابل أن توقف أمريكا حملة العقوبات الأخيرة بانتظار المفاوضات حتى لو بدأت بالطرق الغير مباشرة إلا أن هذا من شأنه وقف التصعيد.
ويختتم كاراسيك ؛ “ما أعتقده هو أن فصول التصعيد والمزيد من المخاطرة من الجانب الأمريكي ضد إيران قد انتهت يوم أمس”