ألمانيا- فرهاد حمي – NPA
في ذكرى الخامسة والسبعين ليوم إنزال الحلفاء على شواطئ النورماندي والتي أقيمت في مدينة بروتسموث البريطانية قبل أيام، كان قادة أووبا يراهنون على هامش الاحتفالية الرمزية المؤثرة، بترميم الفجوة مع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أوروبا، متزامناً مع أزمة غير مسبوقة تعصف التكتل الأوربي الذي يعيش انقساماً حاداً حيال ملفات عدة، مثل الانسحاب البريطاني من الاتحاد، وعلاقات متشنجة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي قارعت النازية من هذا الموقع الفرنسي الشهير أبان الحرب العالمية الثانية.
الصحافة البريطانية التي كانت تراقب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بريطانيا هذا الأسبوع، وصفت الجولة بأنها مثيرة للجدل، سيما أن كاريزما ترامب بحد ذاتها مثيرة للانقسام والخلافات وفق للمتابعين، وأحياناً تصل إلى مستوى إثارة التخريب في الأوساط السياسية عمداً، مما انتقد البعض هذه الزيارة وطرحوا تساؤلات من قبيل، هل ترامب يستحق هذا الشرف الذي يقدم لها ملكية إليزابيث الثانية بعدما أهان الرئيس الأمريكي زوجة الأمير هاري نجل ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز في وقت سابق؟
واعتبر مراقبون أن توقيت زيارة ترامب عقب استقالة رئيسة الوزراء تيزيزا ماي من منصبها في الحكم يمثل حرجاً كبيراً في لندن، وما زاد من منسوب التوتر تلك موجة الاحتجاجات التي نظمت ضد الرئيس الأمريكي في لندن تلبية لنداء زعيم حزب العمال جرمي كوربين، وهجوم ترامب اللفظي على عمدة لندن صادق خان ونعته بـ” فاشل تماماً” بعد ما انتقد الأخير زيارة ترامب، إلا أن هذه الآثار المصاحبة لم يحد ترامب من التشديد على العلاقات التاريخية مع بريطانيا وخاصة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن هذا التحالف يعد من ” أعظم التحالفات في التاريخ”.
تجنب الخلافات
وفسر المراقبون أن ترامب يسعى من وراء هذا الإطراء على توسيع التجارة الحرة مع لندن بالضد من مصالح الاتحاد الأوربي، وهو متحمس في فك الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوربي، لكن المعضلة التي تقف في وجه لندن بالمقابل كما تقول المصادر الرسمية البريطانية، تتجسد في أن ثمن فك الشراكة مع بروكسل تتطلب مستحقات مالية كبيرة، وليس من المؤكد فيما إذا كانت إدارة ترامب تستطيع تعويض هذه الخسارة في أية اتفاقية تجارة محتملة.
ومن المرجح أن ترامب لن يتردد في ترتيب المشهد السياسي في لندن لصالحه سياسياً، وذلك عبر دعم برويس جونسون لتولي قيادة حزب المحافظين كونه يعتبر من أقرب الحلفاء له، وهو ما يثير حفيظة حزب العمال، معتبراً بأن هذه المقاربة تدخّل سافر في السياسات الداخلية.
لم يثر ترامب بصورة مباشرة تضخيم القضايا الخلافية بين البلدين في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع تيريزا ماي، مثل قضية تغير المناخ وملف إيران ومعايير التجارة الحرة مع لندن، وكيفية إدارة التعاون التكنولوجي مع الصين، وقد أرجع الخبراء هذا الأمر بأن ترامب فضل تأجيل هذه المواضيع ريثما تتشكل حكومة جديدة في شهر مايو القادم في لندن، علاوة على أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بامبيو سبق أن ناقش مع المملكة المتحدة في الشهر الماضي تلك النقاط الخلافية بين البلدين بصورة تفصيلية.
احتضان ترامب
حاولت بريطانيا مع قادة الاتحاد الاوروبي احتضان ترامب عبر تقديم ترسانتهم الرمزية والدبلوماسية ليقولوا إنه يفترض على الولايات المتحدة أن تميز بين العدو والصديق، سيما بعد مغازلة ترامب مراراً بعض “الخصوم المستبدين” والذين حسب تصورات قادة أوروبا لا يمثلون القيم المشتركة بين البلدين، سواء كانوا من قادة اليمين الأوربي المتهمين بخرق قوانين حقوق الإنسان مثل فيكتور أوربان، أو بعض قادة العالم الذين لا يحترمون العملية الانتخابية الديمقراطية، مثل بوتين الذي يتجسس وفق زعمهم على العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة أو رئيس كوريا الشمالية الذي لا يحترم العملية الديمقراطية في الأساس.
وقد علقت كاثلين بروك المتخصصة في العلاقات الأنجلو-الأمريكية في جامعة لندن على زيارة ترامب في تصريحات لمعهد أتلاتنتيك بأن: “جميع حلفاء أمريكا في العالم يشعرون بالقلق من سياسة ترامب، لأنك لا تعرف متى سيكون ثمة ضغوطات عليك، ومتى ستعلم أنه على الاستعداد في مساعدتك”.
وأضافت بروك بأن فكرة بريطانيا كانت: “تذكير ترامب بأن خيار الوحدة والتقارب أفضل من إثارة النزاعات الانقسامية، وأن المرور إلى أوربا يمر من بريطانيا مع أهمية تعزيز القيم المشتركة التي تجمع الحلفاء الأطلسيين”.
ترامب، بدوره يبدي تحفظات كبيرة حيال قادة أوربا، وتحديداً كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ويبدو أن التهرب الأوروبي في زيادة حصتهم من المستحقات المالية تجاه حلف الناتو، يمثل تحدي كبير لترامب، ولم يتوان ترامب في مناسبات عدة إرسال تحذيرات مباشرة ضد ميركل وماكرون وبعض قادة الأحزاب في بريطانيا حول قضايا خلافية عميقة، حيث تضمنت فحوى تلك التحذيرات وجوب عدم اتخاذ سلوكيات تخالف استراتيجية واشنطن.
ويعتبر مراقبون أن ترامب يمارس سلوك متعجرف مع الحلفاء بصورة مدروسة، ويغازل في الوقت نفسه الخصوم والقادة المستبدين بطريقة تثير السخط لدى القادة الاوربيين.
وتبعاً لذلك، ليس من الواضح أن مناسبة ذكرى النورماندي التي غيرت خريطة دور الولايات المتحدة في العالم وحررت أوربا من شبح النازية، ستخفف من حدة التوترات بين ترامب وقادة أوربا على المدى القريب.