ألمانيا – فرهاد حمي – NPA
بخلاف الضغوطات الأمريكية على إيران من جهة تشديد العقوبات الاقتصادية، وتحشيد القوات العسكرية في الخليج, إبان تفجير أزمة تخريب السفن في الخليج العربي، فاجأ الدبلوماسي الألماني, ينس بلوتنر، مدير الدائرة السياسية في الوزارة الخارجية، الرأي العام من خلال قيامه بزيارة رسمية إلى طهران يوم أمس الخميس، بغرض الحفاظ على الاتفاق النووي.
دلالات زيارة الوفد الدبلوماسي الألماني إلى طهران عشية تبادل خطاب التهديد والوعيد بين طهران وواشنطن، تكشف بوضح بأن الخلافات الأمريكية مع حلفائها في الغرب، وتحديداً الحكومة الألمانية لم تعد تنطلي في سياق رشق الكلام الدبلوماسي، بل ثمة افتراق حاد، وربما نوع من “التمرد السياسي الألماني” ضد واشنطن في ظل إدارة ترامب.
وتحدد الخارجية الألمانية أهدافها الموضوعية حيال ملف إيران النووي، بما ينسجم مع نهج الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والذي وقع الاتفاقية النووية مع إيران، وجرى تصديقها من قبل مجلس الأمن ومجموعة 5+1.
هذا الافتراق ظهر جلياً قبل أسبوعين، وذلك على وقع إلغاء وزير الخارجية الأمريكية, مايك بومبيو, زيارته بصورة مفاجئ إلى برلين، في الوقت الذي كان يحشد مواقف الدول الأوروبية ضد كل من الصين وإيران.
بومبيو فضَّل أن يزور بغداد بعد انتهاء جولته من بريطانيا وفلندا دون مروره إلى برلين، في خطوة دبلوماسية غير متوقعة، وصفت رمزيتها من قبل المراقبين بمثابة علامة أخرى لمدى هشاشة العلاقة بين واشنطن وبرلين في الوقت الحالي.
أما برلين التي تتبنى استراتيجية “إنقاذ الاتفاقية النووية” مع إيران عبر مواصلة فتح القنوات الدبلوماسية معها، تقف بالتعارض مع استراتيجية ترامب في تطويق إيران اقتصادياً، وترفض أي حلول عسكرية تجاه طهران.
كما أن برلين تُراهن مع كل من الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا احتواء طموحات إيران النووية سلمياً مقابل تطبيع العلاقات التجارية، وهي رؤية تتنافر مع استراتيجية التلويح بالقوة التي تمارسها إدارة ترامب بالدعم والتنسيق مع نتنياهو والملك السعودي محمد بن سلمان، بهدف إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات من موقف هش.
غير أن إيران بدورها، وأمام الضائقة الاقتصادية بسبب العقوبات الأمريكية، أمهلت مؤخراً الدولة الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي 60 يوماً للتوصل إلى خطة تحمي مصالحها الاقتصادية، أو ستتوقف عن تنفيذ بعض البنود الواردة في الاتفاقية الموقعة عام 2015، وهذه الورقة التي لوحت بها طهران في هذا التوقيت الحساس، رفعت من منسوب القلق لدى الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا، التي تخشى أن تنهار الجهود السلمية التي تقوم بها برلين في احتواء مساعي طهران، وتخرج المسار عن السيطرة، وهذا ما سيشكل على المدى القريب خطراً أمنياً على أوروبا، نظراً بأن إيران تقع بالقرب من أوروبا بخلاف أمريكا، وفق تصريحات تخرج من الدائرة السياسية الأوروبية في بروكسل.
مؤخراً، وفي جملة من المقترحات التي تقدم بها المعهد الألماني للاقتصاد والسياسية، والذي يعتبر من أهم المعاهد البحثية في ألمانيا، بهدف التعامل مع أزمة الملف الإيراني الأخير، شدد المعهد في تقرير له بأنه يتعين على الدولة الأوروبية أن ترسل السفراء على مستوى وزراء الخارجية إلى طهران وبالتنسيق مع كل من الصين وروسيا، بهدف التوضيح للحكومة الإيرانية، بأن خرق بعض الأحكام والبنود في الاتفاقية سيؤدي في نهاية المطاف إلى نهاية الاتفاق، كما أوضح التقرير بأن على دول الاتحاد الأوروبي بالمقابل، أن تعلن بشكل واضح إمكانية إعادة تأسيس العلاقات التجارية والمصرفية في مجال النفط وذلك على المدى المتوسط والبعيد، سيما أن الدول الأوروبية حاولت أن تفعل آلية مالية صممت لتجاوز العقوبات الأمريكية على إيران، والمعروفة باسم أداة دعم التبادل التجاري “أنتكيس”، لكنها لم تصمد بسبب مزاعم إدارة ترامب بأن غالبية الشركات الإيرانية التي تستفيد من الآلية المالية الأوروبية، تربطها صلات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني الذي يندرج على قائمة “الإرهاب” وفق تصنيف واشنطن.
يبدو أن الاختراق الدبلوماسي الألماني بالضد من الدبلوماسية الأمريكية حيال إيران، كانت إشارة واضحة بأن الدول الأوروبية لن تساند المساعي الأمريكية العسكرية ضد إيران، بما في ذلك داخل حلف الناتو، بل ثمة آراء تقول بأن حكومة ميركل تعتقد بأن الحكومة الثيوقراطية في إيران أكثر عقلانية ومنطقية من إدارة ترامب، وذلك تحت مسوغات توحي بأن استراتيجية ترامب العسكرية “القاسية” قد تعزز من قبضة المعسكر المتشدد داخل الحكومة الإيرانية ضد الرئيس روحاني، وبالتالي من المرجح، أن يمسك هذا المعسكر زمام المبادرة، ويطلق من جديد حملة انتعاش البرنامج النووي، ما قد يلوح في الآفق سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط، وتشرع الأبواب على كل سيناريوهات عسكرية محتملة.
من المؤكد أن المستشارة الألمانية كسبت سمعة غير حسنة لدى إدارة ترامب، فوزير الخارجية الأمريكية مايك بامبيو، منذ استلام منصبه لم يزور برلين، كما أن مستشار الأمن القومي جون بولتون، يعيش في فتور مع الجانب الألماني، في الوقت الذي تخرج تصريحات على لسان قيادات في إدارة ترامب تشي بأن ميركل مستفزة للأعصاب كونها تقوم بإلقاء محاضرات طويلة ومملة، وأمام هذه المعطيات التصادمية بين الطرفين، لا أحد في برلين يعتقد بأن ألمانيا قادرة أن تفرض تغيراً ما على مسار العلاقات بين واشنطن وطهران.
من الجلي بأن ألمانيا التي تقوم بإنعاش قنوات دبلوماسية بصورة خجولة مع طهران، غير قادرة أن تخترق التوتر المتصاعد بين أمريكا وطهران، على الرغم من صدور أصوات داخل البرلمان الألماني تطالب الحكومة الألمانية بتولي زمام المبادرة في نقل ملفات الشرق الأوسط إلى مجلس الأمن كي تضع الحكومة الأمريكية تحت صيغة الأمر الواقع، فيما إذا كانت باستطاعة واشنطن فعلاً أن تمارس حق النقض فيما يتعلق بالملف الإيراني أو القضية الإسرائيلية -الفلسطينية.
وفي ظل هذا المناخ العاصف بين واشنطن وطهران، اختزل أحد الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي لسان حال الحكومات الأوروبية، حينما أوضحه بقوله:” نحن نجلس على حبل، حيث تسحب إدارة ترامب من جهة، وتقوم طهران بسحبه من جهة أخرى، في حين نحن نعيش في حالة أرق بلا حول ولا قوة”.