غزة – NPA
“نفسي أطلع من هون وأعيش فوق الأرض”.. عبارة نطقت بها مؤمنة الميناوي (أم محمد) البالغة من العمر 28 عاماً، لتختزل أقسى أمنية لها بل والوحيدة في حياتها، فتكون نموذجاً لآلاف العائلات في قطاع غزة التي تعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد.
تعيش عائلة الميناوي, المكونة من أربعة افراد (الأم هي مؤمنة الميناوي وزوجها أحمد وطفلاهما ميرا ومحمد), في “قبو” تحت الأرض بثلاثة أمتار, وفي مساحة سبعة أمتار فقط, هذا المكان غير المناسب للعيش الآدمي، يقع في خانيونس بجوار المحكمة الشرعية وسط قطاع غزة.
وحذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة “أونروا” منتصف هذا الشهر، من أن أكثر من مليون لاجئ في قطاع غزة مهددون بنقص الغذاء بحلول الشهر المقبل.
تصف الأم مؤمنة الميناوي, متزوجة منذ عام 2014 حيث تاريخ الحرب الثالثة, المكان الذي تعيش هي وعائلتها فيه، بنبرة صوت يائسة: “نعيش في مخزن تحت الأرض. لا فيه هواء ولا شمس. شباك المخزن الوحيد حجمه حوالي خمسين الى سبعين سنتيمتر مثل شباك السجون”..
وبسبب مكان السكن غير الصحي والذي تغزوه الرطوبة الشديدة، فإن ولدها محمد الذي لم يصل عمره السنتين بعد، يعاني من أزمة ربو حادة، وأما زوجها احمد فيعاني من خلع ولادة في يده اليُمنى، وهناك تقارير طبية توثق الحالة.
هذه العائلة, هي نموذج من العوائل اللاجئة التي يهددها نقص الغذاء, في قطاع غزة, إذ تزايدت أعدادهم في السنوات الأخيرة بسبب الحصار الذي أدى لإغلاق غزة بالإضافة للنزاعات المتعاقبة التي دمرت البنية التحتية وأحياء بأكملها.
عائلة أم محمد لا تجد قوت يومها، وتعتاش فقط من مبلغ يصل إلى 28 دولاراً شهرياً فقط (100 شيكل) حيث تحصل عليها كونها مسجلة على بند الزكاة، وهذا المبلغ لا يكفي “بامبرز” لطفلها. فما بالك إذا ما تحدثنا عن تكلفة علاجه وأكلهم وشربهم!.
ويكلف علاج ولدها محمد من ناحية المراجعة عند الطبيب وشراء الأدوية اللازمة له نحو 55 دولاراً شهرياً (200 شيكل).
وخلال شهر رمضان المبارك، تفتقر مائدة الميناوي لأضعف الإيمان من الطعام الذي يسد رمق الصائم لساعات طويلة، فلا يوجد عليها إلا طبق أو طبقان اثنان ضمن ما يصلهم من موائد الجيران. لكن مؤمنة الميناوي تقول إن الطعام ليس مشكلتها فهي تعيش على الزيت والملح، وإنما همها الأكبر يكمن في خشيتها على أولادها، فتوضح “ملح وزيت بمشي معنا، اهم شي اولادي اللي بضيعو مني”.
وذكرت أونروا، في بيان لها، أن أكثر من نصف عدد سكان قطاع غزة (يبلغ 2 مليون نسمة) يعتمدون على المعونة الغذائية المقدمة من المجتمع الدولي، مهددون بنقص الطعام ما لم يتم تأمين 60 مليون دولار إضافية بحلول حزيران/يونيو المقبل.
ولم تجد نفعاً مناشدات العائلة لأهل الخير، خاصة وأن زوجها الذي لا تسمح صحته بالعمل، ناهيك أنه لا يوجد عمل اصلاً في غزة في ظل وجود آلاف مؤلفة من العاطلين عن العمل، وفق ما تؤكده التقارير الدولية التي تدق ناقوس الخطر من انفجار القطاع نتيجة لذلك.
وحول ما تقدمه وكالة “الأونروا” لهذه العائلة، تفيد العشرينية أم محمد، أن “وكالة الغوث” وضعتها تحت خط الفقر المدقع، ومنحتها “كابونة صفراء” أي “دبل-مضاعفة” للحصول على المساعدات الغذائية الإضافية. لكن حتى هذه لم تكفِ عائلة الميناوي؛ ذلك أن أم محمد تقوم ببيعها لسداد الديون المتراكمة على العائلة.
ولم تفلح بعض الحملات الإغاثية التي نُظمت لمساعدة العائلة مثل “حملة فكر بغيرك-فلسطين” في إنقاذها بالرغم من توفير بعض المبالغ المالية والأدوات الأساسية لمنزلها؛ كونها “معدومة ومنهارة بكل ما للكلمة من معنى، ولا تكفي مساعدات منقطعة النظير”، كما يؤكد فلسطينيون يعيشون بجوار هذه العائلة ويعرفون ظروفها بشكل دقيق.
وتختم أم محمد الميناوي حديثها كما بدايته:”نفسي اطلع من هون واعيش فوق الارض، عايشين من 6 سنين تحت الأرض، نفسي اعيش فوق الأرض مثل الناس، واهل الخير يساعدوني في الحصول على بيت. حقي اعيش حياة كريمة “.
لعلّ حكاية عائلة الميناوي هذه بمثابة نموذج لأكثر من مليون لاجئ في غزة مهددون بنقص الغذاء مع حلول الشهر المقبل، بحسب تحذير وكالة “الأونروا” بسبب وضعها المالي المعقد في اعقاب وقف الولايات المتحدة الدعم الذي تقدمه لها سنوياً.
ولأن أكثر من ستة وستين بالمئة من سكان غزة لاجئون، فإن توقف برنامج الغذاء الذي تقدمه “الأورنوا” في اي لحظة يعني تفاقم الأوضاع المعقدة اصلاً أكثر وأكثر، ما سيزيد الطين بلة بالنسبة لعائلة الميناوي ومثيلاتها ممن تعتبر من الفئات الإجتماعية “المنهارة”.
وتشير الاحصائيات والتقارير بأن حوالي ثلثا الأسر الفلسطينية في قطاع غزة (68% – نحو 1.3 مليون نسمة) تعاني من انعدام الأمن الغذائي بدرجة حادة أو متوسطة نتيجة للأزمات الممتده والمتعاقبة التي يشهدها القطاع؛ اثنا عشر عاماً من الحصار الاسرائيلي والانقسام السياسي الذي طالت تبعاته كل مناحي الحياة، والهجمات العسكرية المتتالية من إسرائيل على القطاع.
وبينت دراسة أعدتها منظمة انقاذ الطفلة الدولية واليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي ان ما يزيد عن 70% من الاسر التي شملتها الدراسة في قطاع غزة تقوم بتقليل عدد وجبات الطعام من اجل التكيف مع نقص الطعام او نقص الموارد
وتم رصد تدهور مثير للقلق من الوضع الغذائي للنساء الحوامل والمرضعات حيث وجد ان حوالي ١٨٪ من النساء الحوامل و١٤٪ من الامهات المرضعات يعانين من سوء التغذية.