الحراك الثقافي السوري.. ما بين الخمول و”القوننة” وبين تداعيات الأزمة السورية

دمشق- نورث برس

تسود حالة من الخمول والركود على الثقافة والمثقفين الذين شهدوا الأزمة السورية وعايشوا الحراك الثقافي السوري المتقلقل والمشوّش، حيث فعلت الحرب فعلتها بالحياة الثقافية السورية وانهزم المثقفون على حلبات الفكر الإبداعي وعكفوا عن القتال بعد أن أنهكتهم مرارة الحياة اليومية، فلم يعد المثقف يكترث لغير تأمين أبسط المقومات الحياتية، كرغيف الخبز، أو جرة الغاز أو وقود التدفئة … وغيرها.

"نورث برس" استطلعت آراء بعض المثقفين السوريين حول الحراك الثقافي الحالي، وهل استطاع المثقفون تقديم معادلات إبداعية للأزمة السورية؟.
 

 الأهم منه رغيف الخبز

فكان رأي الدكتور سامر عمران (عميد المعهد العالي للفنون المسرحية الأسبق) مختصراً وجريئاً إذ قال لـ"نورث برس": "بكل أسف لا أفكّر ولا يفكّر الناس حالياً بأي نوع من هذا الحراك الثقافي أو أي فعل حقيقيّ خاص بالمعنى العميق للثقافة أو للتفاعل والمبادلة المعرفية بين المثقف والناس لأننا –وأنا منهم- لا نفكّر إلا بكيفية الحصول على رغيف الخبز اليوميّ، بالإضافة إلى الركض وراء المازوت والغاز وحاجاتنا الأساسية، بل لأننا نفكّر كيف سنسخّن هذا الرغيف؛ هل سنحمّيه على الشمعة أم سنجلب عدسة مكبّرة ونعرّضه لأشعة الشمس حتى نستطيع بلعه من دون مرارة".

 

انخفاض سقف الحريات

فيما قال الصحفي زيد قطريب (رئيسُ القسم الثقافي في إحدى الصحف المحلية) والمتابع للأنشطة والفعاليات الثقافية في العاصمة: "في بداية الحرب السورية كان بالإمكان الحديث عن حراكٍ ثقافي جيد وفعّال شارك فيه المجتمع الأهلي على نحو خاص، لكن ما حدث بعد ذلك هو من مفاعيل الحرب وتداعياتها، بالإضافة إلى انخفاض سقف الحريات المتاحة أمام الفنون، الأمر الذي عرقلَ نشاطات المجتمع الأهلي الثقافية التي تمكنت خلال سنين الحرب الأولى من سحب البساط من تحت الثقافة الرسمية وأظهرت عجزها".

 

المشكلة بنيوية

ويضيف قطريب مشخّصاً المشكلة بأنها "بنيوية جوهرية وليست شكلية تتعلق بعدد النشاطات والفعاليات المقامة في كل نوع من أنواع الفنون، فالمجتمعات ركَّنت لثقافة نهائية ولا يشغلها الحماس لحضور أي أمسية ثقافية حيث لا نجد فيها سوى بضعة أشخاص".

ويضع قطريب مبضعه على حرجٍ في جسد الحراك الثقافي فيقول: "إن بعض التضييقات المتعلقة بـ"قوننة" الثقافة الرسمية راحت تضع قيوداً أمام تطورها وازدهارها ما أدى في نهاية الأمر إلى تشابه الثقافة الأهلية مع الثقافة الرسمية من حيث الفاعلية بل من حيث تكرار النشاطات نفسها دون إضافة أي شيء جديد ودون ترك بصمة تذكر في المشهد الثقافي السوري".
 

عملية إخصاء متعمد

الشاعر علاء زريفة صاحب ديوان "شوكولا" يقدّم لـ"نورث برس" رأياً جريئاً أيضاً فيقول: "تم إخضاع المثقف والحراك الثقافي عبر مراحل طويلة لنوعٍ من عملية الإخصاء المتعمّد سواء بأسلوب التجويع كما هي الحال مع المبدع الراحل محمد الماغوط، وفي أحسن الأحوال تم التعامل مع البعض الآخر ممن رفضوا الانسياق وراء المنهج الأيديولوجي بالتجاهل وعدم الاعتراف بهم كما فعلوا مع الشاعر المفكر أدونيس والشاعر سليم بركات".

ولا يخفي زريفة أسفه العميق من كيفية "تحويل المثقف إلى موظف أو بوقٍ يعيد تكرار الخطاب ويشرح المشروح ويناقش ما هو متفق عليه سلفاً فلا هو يمارس دوره التشكيكي المُشاكِس والمحفِّز كقوة ناعمة أساسية في أي تطور ممكن، ولا يلعب دور المثقف العضوي -كما وصفه "غرامشي"- وذلك بسبب دور المؤسسة الوصائي الأبوي الذي لا يتعامل مع الإبداع والفرد المبدع كذات حرة حيوية بقدر ما يعدّها أداةً تعبوية لا أكثر ولا أقل".

 

مصيبة "سوشيال ميديا"

وبحسب ما قال إدريس مراد (منسّق ومدير مهرجان قوس قزح سوريا) لـ"نورث برس": "تخضع شهرة أغلب الفعاليات الثقافية إلى المعرفة المحدودة والمباشرة للمثقف أو منتج العمل الإبداعي بدائرة أصدقائه والمقربين منه وما إنْ مدّتْ الحرب بأذرعها على كل الساحات والبيوت في سوريا تزامن ذلك مع انفتاح العالم على بعضه بوسائل "السوشيال ميديا" والتي خلطتْ وساوتْ بين المبدع والهاوي أو عديم الخبرة، وصار المقياس هو عدد التفاعلات والمشاركات على الفيس وعدد اللايكات، ناهيك عن الفقاعات الإعلامية هنا وهناك… بصراحة أكثر "ضاعت الطاسة".

ويُكمل مراد بأسى: "لقد تحولت الثقافة السورية بعمومها واتساع ميادينها إلى حالات من تفريغ وتفريخ قصص ومشاعر عن الحرب القاسية التي وزعت حزنها بالتساوي بين من بقوا ومن هاجروا ومن رحلوا. وباختصار لم تنضج بعد محاولاتنا لتأطير مفاعيل الحرب بشكلٍ فنّي كامل بعيد عن الانفعالات والعواطف لأننا ما نزال إلى اليوم تحت سطوتها".