رولاف هورو ـ عفرين
لم يعد سكان في مدينة عفرين يسألون مع بداية كل شهر: “ماذا سنشتري؟”، بل بات السؤال الأصعب: “ماذا سنحذف من قائمة الاحتياجات؟”، في ظل ارتفاع متواصل في أسعار المواد الأساسية والخدمات، مقابل بقاء الرواتب والدخل عند مستويات لم تعد قادرة على تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية.
في المدينة، تحوّل الراتب بالنسبة للكثير من العائلات إلى رقم ثابت لا يتغير، بينما أصبحت الأسعار في الأسواق تتحرك بوتيرة متسارعة. فمن سعر ربطة الخبز، إلى فواتير الكهرباء والمياه، وصولاً إلى أجور المنازل وأسعار الخضار والمواد المنزلية، يشعر الأهالي بأن قدرتهم الشرائية تتراجع يوماً بعد يوم، وسط مطالبات شعبية بضبط الأسواق ووضع حد للارتفاع المستمر في الأسعار.
ويرى سكان عفرين أن الغلاء لم يعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم، حيث بات تأمين الغذاء والدواء والسكن تحدياً أساسياً أمام آلاف العائلات.
“المال لم يعد كالسابق”
تقول كرستينا محو من مدينة عفرين لنورث برس، إن تكاليف المعيشة أصبحت تفوق قدرة الكثير من الأهالي، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار طال مختلف جوانب الحياة.
وتوضح محو: “المعيشة صعبة جداً. الثياب غالية في المحلات، وليس فقط الثياب، فالمنظفات والخبز والخضار، كل شيء أصبح غالياً. نريد راتباً أكثر، فالمال الآن ليس كالسابق. في السابق كان المال قليلاً لكنه كان يكفي لشراء الكثير من الأشياء، أما الآن فلم يعد كذلك”.
وتضيف: “نريد أن تصبح قيمة المال أكبر حتى يكفينا لأسبوعياتنا وشهرنا. حتى الملابس أصبحت غالية جداً، فالقطعة الواحدة أصبحت بـ 400 أو 500، ونريد أن تنخفض الأسعار لأنها لم تعد كما كانت، كل شيء أصبح مرتفعاً”.
“قدرة الاستمرار مهددة”
من جانبه، يختصر صلاح الدين عبدو، أحد سكان عفرين، معاناة القاطنين بالقول إن ارتفاع الأسعار بات يهدد قدرة الفقراء على الاستمرار.
ويقول عبدو لنورث برس: “يا أخي اخفضوا الأسعار قليلاً، أصبح كل شيء غالياً. الشعب مات. خفضوا أجور المنازل، فالفقراء بقوا في الشارع. خافوا من الله ليرضى الله عنا ويرحمنا جميعاً”.
ويتابع: “كل شيء غالٍ: الكهرباء والمياه وكل شيء، ولا يوجد عمل. الشعب لا يستطيع أن يدبر لقمة عيشه. إلى أن تستطيعوا، كونوا رحماء واتقوا الله. والله يساعدنا على هذا الثقل”.
ويشير عبدو إلى أن ارتفاع تكاليف السكن والخدمات الأساسية أصبح عبئاً إضافياً على العائلات التي تعاني أصلاً من ضعف الدخل وقلة فرص العمل.
أما إبراهيم مصطفى فيلفت إلى جانب آخر من الأزمة، يتمثل في الفارق الكبير بين أسعار الجملة والأسعار التي تصل إلى المستهلك.
ويقول مصطفى لنورث برس: “الغلاء نراه كل يوم. نستيقظ من النوم ونذهب إلى السوق فنجد أن كل شيء أصبح أغلى من قبل. حتى الأشياء الأساسية مثل المياه والكهرباء والخبز أصبحت مرتفعة، والشعب يحاول تدبير أموره بصعوبة”.
ويضيف: “المواطن يتفاجأ يومياً بكيفية تدبير معيشته. المطلوب أن تتم مراقبة هذا الوضع، خصوصاً فيما يتعلق بالكهرباء والمياه والمواد الأساسية كالخبز والخضروات، لأنها ضرورية جداً”.
ويشرح مصطفى أن أسعار بعض المواد ترتفع بشكل كبير بين مرحلة البيع بالجملة ووصولها إلى المستهلك، قائلاً: “الخضروات في السوق تكون أرخص في محلات الجملة، لكن عندما تصل إلى الناس تصبح غالية جداً، أحياناً ثلاثة أضعاف السعر. لذلك يجب مراقبة هذه الأمور لأنها لا تسمح للشعب بأن يعيش حياة طبيعية”.
أزمة تتسع بين دخل ثابت وأسعار متحركة
وبينما تبقى الرواتب على حالها، تستمر تكاليف الحياة في الارتفاع، ما يخلق فجوة متزايدة بين دخل الأسر واحتياجاتها الأساسية. ويؤكد الأهالي أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالكماليات، بل أصبحت تمس أساسيات الحياة من غذاء وسكن وخدمات.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المطالبات بضرورة تشديد الرقابة على الأسواق، وضبط الأسعار، وتحسين مستوى الدخل، بما يضمن للأهالي القدرة على تأمين احتياجاتهم الأساسية بعيداً عن ضغط يومي بات يثقل كاهل العائلات.
وعانت عفرين خلال سنوات الحرب، مثل باقي المناطق السورية، إذا شهدت في بدايتها نزوح آلاف العوائل من الداخل السوري وحلب إليها، ثم اجتاحها الجيش التركي لينزح منها غالبية السكان الكرد، وبعد سقوط النظام السابق وعقب تفاهمات مع الحكومة السورية الجديدة، عادت عدة دفعات من العوائل، كل هذه الظروف ساهمت أيضاً في خلق أزمات اقتصادية ومعيشية وغيرها.