خسائر الزراعة تدفع مزارعي درعا لاستبدال الخضروات بالأشجار

درعا – نورث برس

تشهد محافظة درعا، التي عُرفت تاريخياً بكونها واحدة من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في سوريا، تحولاً متسارعاً في أنماط الزراعة، مع اتجاه عدد متزايد من المزارعين إلى استبدال المحاصيل الموسمية، ولا سيما الخضروات، بالأشجار المثمرة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة على تسويق المحاصيل وغياب منافذ التصدير.

وتُعرف منطقة حوران منذ قرون بغناها الزراعي، حتى ارتبط اسمها تاريخياً بكونها «سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية»، لاعتماد الرومان على حبوبها ومحاصيلها الزراعية. واستمرت المنطقة لاحقاً في لعب دور رئيسي في تأمين جزء كبير من احتياجات الأسواق السورية من الخضروات الموسمية.

إلا أن هذا الدور يواجه اليوم تحديات متراكمة دفعت بالمزارعين إلى إعادة النظر في خياراتهم الزراعية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا التحول إلى تراجع المساحات المزروعة بالخضروات، وانعكاس ذلك على الإنتاج المحلي والأسواق والأمن الغذائي، فضلاً عن مصادر دخل آلاف العاملين في القطاع الزراعي.

تكاليف مرتفعة وأسواق محدودة

يأتي التحول من زراعة الخضروات إلى الأشجار المثمرة نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، بما يشمل أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، إلى جانب شح مصادر المياه، وغياب منافذ تصريف كافية، وضعف فرص التصدير، وانخفاض أسعار الخضروات في الأسواق المحلية.

وأمام هذه الظروف، بات إنتاج الخضروات يشكل، وفق مزارعين، مخاطرة مالية متزايدة، إذ لا تكفي عائدات البيع في كثير من الحالات لتغطية تكاليف الزراعة، ما يترك المزارع أمام خسائر متكررة بعد كل موسم.

وقال المزارع تيسير ياسين لنورث برس، إن المنطقة التي اشتهرت تاريخياً بزراعة الخضروات تعاني اليوم من عجز تسويقي انعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي للفلاح.

وأضاف ياسين أن زراعة الخضروات تحولت إلى “معادلة خاسرة”، الأمر الذي دفع كثيراً من المزارعين إلى استبدالها بالأشجار المثمرة، مثل الزيتون والرمان، التي تحتاج إلى كميات أقل من المياه، كما تمنح المزارع إمكانية تخزين إنتاجه وطرحه في السوق في وقت لاحق، عندما تكون الأسعار أفضل، بما يقلل من خطر الخسارة المباشرة.

تراجع مساحات الخضروات يهدد الأسواق

ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على خسائر المزارعين وحدهم، إذ أدت إعادة توجيه الأراضي الزراعية نحو الأشجار المثمرة إلى تقليص المساحات المخصصة للخضروات، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على قدرة الأسواق المحلية على تأمين احتياجات السكان اليومية من المنتجات الزراعية.

وحذّر ياسين من أن استمرار تراجع المساحات المزروعة بالخضروات يحمل مخاطر اقتصادية واسعة، مشيراً إلى أهمية التصدير بوصفه عاملاً أساسياً في دعم القطاع الزراعي والاقتصاد المحلي.

وبحسب المزارعين، فإن المشكلة لا تكمن في انخفاض الإنتاج فحسب، وإنما في غياب منظومة تسويقية قادرة على استيعاب المحاصيل، إذ يؤدي تكدس الخضروات في الأسواق المحلية خلال مواسم الذروة إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع تكاليف الإنتاج.

“سأتوقف عن الزراعة الموسم المقبل”

وفي صورة تعكس حجم الضغوط التي يواجهها المزارعون، قال المزارع علي قعبور لنورث برس، إنه قرر التوقف عن الزراعة الموسمية اعتباراً من العام المقبل، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها خلال المواسم الماضية.

وقال قعبور إن مستقبل زراعة الخضروات “يتجه نحو الأسوأ” في ظل غياب الأسواق المحلية القادرة على تصريف الإنتاج، وانعدام التصدير المشجع، موضحاً أن استمرار الخسائر جعل مواصلة العمل في الزراعة الموسمية أمراً بالغ الصعوبة.

وأشار إلى أن تكاليف الإنتاج المرتفعة لم تعد قابلة للتعويض من خلال أسعار البيع الحالية، محذراً من أن استمرار تراجع زراعة الخضروات قد يقلب المعادلة الاقتصادية في محافظة درعا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على النشاط الزراعي.

وأضاف أن تحول سوريا من تصدير الخضروات إلى استيرادها سيكون “ضربة قاضية” للإنتاج المحلي، لافتاً إلى أن الاتجاه نحو الأشجار المثمرة أصبح بالنسبة لكثير من المزارعين خياراً اضطرارياً، بسبب انخفاض احتياجاتها من المياه مقارنة بالخضروات، فضلاً عن انخفاض تكاليف الأدوية والأسمدة اللازمة لها.

دعم الأسمدة وفتح أسواق التصدير

ويرى قعبور أن إنقاذ زراعة الخضروات يتطلب إجراءات مباشرة، في مقدمتها توفير الأسمدة بأسعار تتناسب مع قدرة المزارعين ودخولهم، إلى جانب فتح منافذ خارجية أمام المنتجات الزراعية.

وأكد أن تصريف المحاصيل في الأسواق الخارجية من شأنه تخفيف الضغط عن السوق المحلية، وتحقيق مردود أكثر عدالة للمزارع، بما يشجعه على مواصلة زراعة الخضروات بدلاً من اقتلاعها واستبدالها بالأشجار المثمرة.

ويعكس هذا التحول في ريف درعا عمق الأزمة التي يمر بها القطاع الزراعي، حيث يجد المزارع نفسه أمام خيارين: إما الاستمرار في زراعة محاصيل موسمية ترتفع تكاليف إنتاجها وتتراجع فرص تسويقها، أو التوجه نحو الأشجار المثمرة التي تمنحه قدرة أكبر على التحكم بموعد بيع محصوله وتحتاج إلى موارد أقل، ولا سيما المياه.

وبينما يوفر التحول إلى الأشجار قدراً من الاستقرار المالي للمزارع على المدى الفردي، فإن استمراره على نطاق واسع قد يؤدي إلى تغيرات أعمق في الخريطة الزراعية للمحافظة، ويقلص إنتاج الخضروات التي تشكل جزءاً أساسياً من احتياجات السوق المحلية.

وبذلك، لا تبدو أزمة زراعة الخضروات في درعا مجرد مشكلة تتعلق بخسارة موسم أو انخفاض سعر محصول، بل قضية تتصل بمستقبل الإنتاج الزراعي، ودخل آلاف العاملين في هذا القطاع، وقدرة الأسواق على تأمين الغذاء محلياً، في منطقة ارتبط اسمها تاريخياً بدورها في إطعام البلاد والمنطقة.

تحرير: معاذ الحمد