بين وفرة الإنتاج وتراجع الأسعار.. مزارعو القمح في ريف عفرين يحصدون خسائرهم

رولاف هورو ـ عفرين

رغم التحسن الكبير الذي شهده موسم القمح لعام 2026 في ريف عفرين، نتيجة وفرة الأمطار وارتفاع الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة، فإن واقع المزارعين لم يعكس هذه الوفرة، إذ يشتكي عدد منهم من أن ارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع أسعار البيع حوّلا الموسم الجيد إلى عبء اقتصادي لم يحقق لهم العائد المتوقع.

وبينما يرى المزارعون أن زيادة الإنتاج لم تكن كافية لتعويض النفقات التي تحملوها من بذار وسماد ومحروقات وأجور حصاد ونقل، تؤكد الجهات الزراعية أن الموسم الحالي كان من المواسم الجيدة، وأن عملية استلام المحصول جرت بانسيابية، مع وجود بعض الصعوبات المرتبطة بنقص آليات الحصاد.

إنتاج وفير.. لكن العائد لا يغطي التكاليف

المزارع أحمد عبدو يقول لنورث برس إن محصول القمح لهذا العام كان جيداً، واصفاً الموسم بأنه “سنة خير”، لكنه يشير إلى أن المشكلة الأساسية تمثلت في ضعف الأسعار مقارنة بحجم المصاريف.

ويضيف عبدو: “زرعت القمح، وكان إنتاجه جيداً هذه السنة، وكانت سنة خير، لكن لم تكن هناك أسعار جيدة. كانت مصاريفه مكلفة، والسماد غالٍ، والبيع والشراء قليل”.

ويوضح أن سعر طن القمح تراوح بين 260 و270 دولاراً، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار البذار والمازوت والسماد أدى إلى تقليص أرباح المزارعين، مضيفاً أن بعض المحاصيل لم تكن بالمواصفات المطلوبة بسبب اختلاط القمح بالشعير.

ويشير إلى أنه زرع ثلاثة دونمات، وأن إنتاج الهكتار خلال الموسم الحالي تراوح بين 40 و55 شوالاً، مقارنة بالموسم الماضي الذي كان ضعيفاً، إذ لم يحصل بعض المزارعين على إنتاج يذكر إلا في حال توفر الري، بينما لم يتجاوز إنتاج من تمكنوا من الري نحو 20 إلى 25 شوالاً للهكتار.

ويلفت عبدو إلى أن المحصول تعرض لبعض الأمراض الفطرية، ما دفع المزارعين إلى استخدام المبيدات، كما تعرضت بعض المناطق لحرائق تمت السيطرة عليها، مؤكداً أن المشكلة الأكبر بقيت في انخفاض الأسعار وعدم تناسبها مع التكاليف.

تكاليف مرتفعة وخسائر رغم تحسن الموسم

من جهته، يقول المزارع صالح بن حسن المختار من قرية كورزيلة، لنورث برس إن الموسم الحالي كان أفضل من العام الماضي من حيث الإنتاج، لكنه لم يحقق للمزارعين الأرباح المرجوة بسبب ارتفاع النفقات.

ويشرح المختار أن الموسم السابق كان قاسياً عليه، إذ زرع ثلاثة دونمات بتكلفة وصلت إلى نحو 2500 دولار بين المازوت والإصلاحات الزراعية، لكنه اضطر إلى بيع المحصول بمبلغ لا يتجاوز 1200 دولار.

ويضيف أنه خلال هذا الموسم لم تتوفر مياه الري، لذلك اكتفى بزراعة دونم واحد، تمكن من إنتاج أربعة أطنان منه، لكنه واجه صعوبة أثناء التسويق بعد أن اعتُبر محصوله مختلطاً بالشعير.

ويقول: “ذهبت وأنجزت الأوراق المطلوبة، وفي النهاية قالوا لي إن قمحي هو شعير وخشن، فبعناه للتجار، والتاجر إلى الآن لم يعطنا حقنا ويقول حتى تصلني الأموال”.

ويشير إلى أن قيمة المبيعات لم تغطِّ التكاليف، موضحاً أن البذار وحده كلفه نحو 300 دولار، إضافة إلى 300 دولار للسماد، فضلاً عن تكاليف تجهيز الأرض ورش المبيدات والأدوية.

كما يلفت إلى أن المزارعين واجهوا مشاكل بسبب انتشار بعض الأمراض الزراعية، ومحاولات معالجة اختلاط الشعير بالقمح، إضافة إلى ارتفاع أجور العمال، موضحاً أن أجرة “العتالة” خلال الحصاد بلغت نحو 150 دولاراً.

ويؤكد المختار أن وفرة الأمطار حسّنت الإنتاج هذا العام مقارنة بالموسم السابق، لكنه اعتبر أن انخفاض الأسعار وارتفاع التكاليف جعلا النتيجة النهائية خسارة بالنسبة لكثير من المزارعين.

مشاكل البذار والتسويق تزيد أعباء المزارعين

أما المزارع ريزان عبدو، فيرى أن الموسم الحالي كان أفضل من السنوات الماضية التي شهدت موجات جفاف تسببت بخسائر كبيرة للمزارعين في سهول عفرين.

ويوضح عبدو لنورث برس أن توفر الأمطار هذا العام خفف من أعباء الري وتكاليف المحروقات، لكنه أشار إلى استمرار مشكلات أخرى أثرت على المزارعين، أبرزها ارتفاع أجور الحراثة، وغلاء أسعار البذار والسماد والمبيدات.

ويقول إن جزءاً من المشكلة يعود إلى نوعية البذار، موضحاً أن بعض المزارعين حصلوا على بذار غير مفرز اختلط فيه القمح بالشعير، ولم يكتشفوا ذلك إلا بعد نمو المحصول.

ويضيف أن أجور الحصاد شكلت عبئاً إضافياً، موضحاً أن المزارعين كانوا يتوقعون انخفاضها، لكنها تراوحت بين 120 و150 دولاراً في بعض المناطق، بعد أن كان يفترض ألا تتجاوز نحو 100 دولار.

ويشير إلى أن مشكلة التسويق بقيت حاضرة أيضاً، إذ إن بعض الجهات لم تستقبل المحاصيل التي لا تتمتع بنسبة نقاء كاملة، ما دفع عدداً من المزارعين إلى بيع إنتاجهم للتجار بأسعار منخفضة.

ويطالب عبدو بتدخل الجهات الحكومية لمعالجة واقع زراعة القمح، وتحسين آليات الاستلام والتسويق، بما يضمن حصول المزارعين على مردود يساعدهم على الاستمرار في العمل الزراعي.

أرقام رسمية: 17 ألفاً و500 طن تم توريدها

وفي مقابل شكاوى المزارعين، تؤكد دائرة الزراعة في عفرين أن موسم القمح لهذا العام كان جيداً من حيث الإنتاج، وأن عملية الاستلام تمت وفق آلية منظمة.

ويقول المهندس الزراعي محمد محمود عبدالله في دائرة الزراعة بعفرين، لنورث برس إن استلام محصول القمح بدأ هذا العام بتاريخ 14 حزيران، بناء على تعليمات وزارة الزراعة، موضحاً أن العملية اعتمدت على إصدار شهادات منشأ للمزارعين وتنظيم مواعيد التسليم عبر منصة إلكترونية خصصتها الجهات المعنية.

ويشير عبدالله إلى أن دائرة الزراعة في عفرين أصدرت 871 شهادة منشأ لـ718 مزارعاً، لافتاً إلى أن كمية القمح التي تم توريدها إلى مراكز الحبوب بلغت نحو 17 ألفاً و500 طن.

ويوضح أن إجراءات التسليم كانت سلسة، حيث يحصل المزارع على شهادة منشأ، ثم يحجز موعداً عبر المنصة الإلكترونية لتسويق محصوله في اليوم المحدد، مؤكداً أن العملية تمت دون عوائق كبيرة.

ويضيف أن الموسم الزراعي كان جيداً بفضل معدلات الهطول المطري المناسبة، ما انعكس على وفرة الإنتاج، مبيناً أن أبرز الصعوبات التي واجهها المزارعون تمثلت في نقص عدد الحصادات وارتفاع أجورها.

ويلفت عبدالله إلى أن تأخر بعض عمليات الحصاد تسبب بخسارة جزء من الإنتاج لدى بعض المزارعين، لأن تأخير جمع القمح بعد نضجه يؤدي إلى فقدان جزء من المحصول، لكنه أكد أن بقية مراحل الاستلام “كانت ميسرة وسلسة”.

وبينما تعكس الأرقام الرسمية حجم الإنتاج الذي تحقق خلال الموسم الحالي، تكشف شهادات المزارعين فجوة بين وفرة المحصول والعائد الاقتصادي منه، ما يضع ملف دعم زراعة القمح في ريف عفرين أمام تحديات تتعلق بتكاليف الإنتاج، وجودة البذار، وآليات التسويق، بما يضمن استمرار المزارعين في هذه الزراعة الأساسية.

تحرير: معاذ الحمد