من كوباني إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.. مشروع محلي يفتح بوابة التصدير ويوسّع فرص العمل
فتاح عيسى – كوباني
لم تعد منتجات كوباني الزراعية تقتصر على الأسواق المحلية، بل بدأت تشق طريقها إلى أسواق الاتحاد الأوروبي عبر مشروع استثماري يعتمد على تصنيع وتجفيف المنتجات الغذائية محلياً، في تجربة تجمع بين دعم المزارعين، وتوفير فرص عمل للنساء، وفتح نافذة جديدة لتصدير إنتاج المنطقة إلى الأسواق العالمية.
في تمام الساعة السابعة صباحاً من كل يوم، ومع شروق الشمس على سهول كوباني شمال حلب، يعج مركز تحضير المونة في كوباني بحيوية استثنائية، أصوات ضحكات نسائية، وأحاديث متبادلة تتداخل مع صوت نقر الكوسا وتحضير الخضار؛ هنا، لا يدور العمل في إطار روتيني جاف، بل يتحول إلى ما يشبه اللقاء العائلي الذي يملأ المكان بهجة.
تقول زليخان مورو، وهي إحدى العاملات في هذا المشروع، لنورث برس، إن النساء يعملن كمجموعات من عائلة واحدة، لينتهي العمل في الساعة الثالثة عصراً، حيث تتقاضى كل أسرة أجراً بحسب الكمية التي تجهزها.
تعتبر مورو، أن المشروع يساهم في تخفيف الأعباء المادية التي تعيشها الأسر في ظل ظروف معيشية صعبة وارتفاع متزايد في الأسعار، حيث يساهم في تأمين دخل يومي جيد لمساعدة العوائل.
وتضيف مورو أن العاملة الواحدة تستطيع تجهيز ما بين 50 إلى 70 كيلوغراماً من الخضار يومياً بأجر 900 ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، ما يضمن لكل عاملة دخلاً لا يقل عن 50 ألف ليرة سورية يومياً كحد أدنى.

فرص عمل للنساء
إلى جانب مورو، تعمل نحو 30 امرأة في هذا المركز وحده، ويتوزعن في مجموعات عائلية تضم شخصين إلى ثلاثة أشخاص يتساعدن في إعداد المونة المجففة من الخضار المحلية.
لم يقتصر المشروع على موسم واحد؛ فقد بدأ في شهر نيسان/ أبريل الفائت، بتحضير مونة الجبن وتجفيف البابونج، والآن يركز على تحضير الكوسا للتجفيف، ليتبعه مواسم الفليفلة، ودبس البندورة، والبامية، والملوخية، وصولاً إلى مرحلة التغليف التي ستوفر فرص عمل إضافية، بحسب العاملين في المشروع.
من السويد إلى كوباني
خلف هذا الحراك الاقتصادي والاجتماعي تكمن قصة مغترب قرر أن ينقل نجاحه من أوروبا إلى موطنه الأصلي.
يقول سليمان محمد خليل، المقيم في السويد والمسؤول في شركة (Rewi AB) صاحبة ماركة “ريدور” الشهيرة، لنورث برس، إنه قرر كسر حلقة الاستيراد التقليدية، حيث قرر نقل استيراد المنتجات التي كان يستوردها لشركته، من دول ومدن أخرى، إلى منطقته “كوباني”، كي يستفيد سكان المنطقة منه إلى جانب استفادة الشركة.
ويضيف خليل، أنه كان مصدر هذه المنتجات طوال السنوات الخمس الماضية إلى أوروبا، لكن هذا العام يحمل خصوصية فريدة؛ فالمنتج يحمل هوية كوباني وتراثها الغذائي إلى العالم.
طموح مستقبلي
ويوضح خليل أن مشروعه لا يهدف إلى التوظيف المؤقت فحسب، بل يطمح لبناء بنية تحتية زراعية وتجارية مستدامة، فهو يخطط في العام القادم، للتعاقد مع مزارعين من المنطقة لزيادة المساحات المزروعة بالخضار والمواد الغذائية التي تحتاجها شركته للتوزيع في أوروبا.
ويشير خليل أنه سيجلب بذار أصناف خاصة مطلوبة أوروبياً (مثل كوسا عفرين، وفليفلة المخلل، وورق عنب لليبرق) لزراعتها محلياً في كوباني بالتعاون مع المزارعين.
ويتابع خليل أنه سيتم شحن المنتجات بحراً إلى أوروبا لتصل إلى الأسواق الأوربية حالياً، وإلى وبريطانيا وكندا وأمريكا مستقبلاً.
ويستفيد من هذا المشروع حالياً ما بين 60 إلى 70 امرأة تعملن في ثلاثة مراكز يومياً، إضافة إلى استفادة المزارعين من بيع منتجاتهم، حيث تستقبل هذه المراكز الثلاثة نحو طنين ونصف الطن من الخضار الطازجة لتجهيزها وتجفيفها بشكل يومي.
بين طموح سليمان الذي يحلم بنشر تراث بلاده الغذائي في أسواق الاتحاد الأوروبي، وابتسامة زليخان التي تعود إلى منزلها محملة برزق يومها وراحة بالها، يثبت هذا المشروع أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأرض والناس، إنها حكاية “مونة” لم تحفظ الخضار فقط، بل حفظت كرامة العائلات وأحيت الآمال في سهول كوباني الخصبة.