أوّل تظاهرات تُطالب برحيل السيسي.. النظام المصري يواجه “أزمةً غير مسبوقة” تُهدد بقاءه

القاهرة- NPA
تواجه السلطات المصرية أزمةً "غير مسبوقة"؛ ففي الوقت الذي نجح فيه النظام الحالي في منع أية حركات احتجاجية أو أصوات معارضة طيلة سنوات حكمه الماضية منذ 2014، سواء بتشدّيد القبضة الأمنيّة أو بعمليات الاعتقال التي طالت عديداً من النشطاء المعارضين، يواجه حالياً تصاعداً في حالة الاحتقان الداخلي، والتي عبّرت عنها تجمّعاتٌ محدودةٌ للمعارضين في قلب القاهرة (على أطراف ميدان التحرير) وبعض المحافظات، الجمعة، وإن كانت لوقتٍ قصيرٍ استمرت لساعاتٍ محدودةٍ مساءً، وبأعدادٍ قليلةٍ أخذت في التزايد تدريجياً حتى وصلت للمئات.
واجهت قوات الأمن تجمعات المتظاهرين على أطراف الميدان وبشوارع جانبية، بإطلاق الغاز المسيل للدموع، فضلاً عن اعتقال العشرات، في أول تظاهراتٍ تُطالب برحيل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مُنذ توليه الرئاسة.
هتافات
وأعاد المتظاهرون هتافات "الشعب يريد إسقاط النظام" الشهيرة منذ كانون الثاني/يناير  2011، من جديد إلى الواجهة، جنباً إلى جنب وهتافات "ارحل يا سيسي" بميدان عبد المنعم رياض، المتاخم لميدان التحرير. وسط حالةٍ من الكر والفر في الميدان. فيما اكتفت وسائل الإعلام المصرية بتصوير ميدان التحرير شاغراً من المتظاهرين، دون التطرق إلى الوضع على أطراف الميدان، والتي شهدت تلك الفعاليات، التي سيّطر عليها الأمن المصري.
وتأتي تلك التظاهرات على خلفية اتهاماتٍ بـ "الفساد" تواجه السلطات المصريّة، كشف عنها المقاول والممثل المصري محمد علي (من مقر إقامته في إسبانيا)، في سلسلة فيديوهات نشرها عبر الإنترنت على مدار الأسبوعين الماضيين، تحدّث فيها عن ما وصفه بـ"الفساد بمشروعات القوات المسلّحة"، وبناء قصور أرهقت ميزانية الدولة، وبإشراف وطلب الرئيس المصري، بينما نفى الأخير شبهات الفساد، خلال تصريحاتٍ له بمؤتمر الشباب الذي انعقد الأسبوع الماضي بالقاهرة، غير أنه أقرّ ببناء القصور وقال إنّه عازم على بناء المزيد؛ بما يليق بـ"الدولة الحديثة" التي يبنيها في مصر.
صراع أجهزة
وعزى بعض المحلّلين تلك الأزمة غير المسبوقة التي يواجهها النظام المصري، إلى "صراع أجهزة" داخلياً، انطلاقاً من العديد من الشواهد، بداية من التسريبات المُتتالية ضدّ السيسي التي تخرج من آن لآخر وحتى إفساح المجال نسبياً للتظاهرات والتخلي عن سياسة "الحديد والنار" التي تتبعها السلطات في التعامل مع أي دعوات أو محاولات لفعاليات احتجاجية مثلما حدث في تظاهرات "تيران وصنافير" (فعاليات احتجاجية نظمها شباب مصريون اعتراضاً على إقرار مصر بتبعية جزيرتي تيران وصنافير بالبحر الأحمر، للمملكة العربية السعودية) والتي لم يتم التهاون فيها في التعامل مع المشاركين ومنع أي فعاليات.
سماح قوات الأمن للمتظاهرين بالوصول إلى تلك الميادين، كان محل لغط واسع أثير أمس، عزز ذلك فكرة "صراع الأجهزة" المتداولة في الوقت الراهن، بخاصة أنّ الأمن في الوضع الطبيعي لم يكن ليسمح للمتظاهرين بالوصول أصلاً.
تسّرَّبَ أمر "صراع الأجهزة"، بخاصةً أجهزة المخابرات، إلى الشارع المصري، الذي تعامل مع الأمر – كعادته – بخفة ظل، من خلال عديد من "الكوميكس" التي أشارت لذلك الصراع. ومع تسرب ذلك الشعور بهذا الصراع "المكتوم" –المُستند إلى وقائع عملية شهدتها مصر- كان ذلك –وفق مراقبين- مشجعاً على كسر حاجز الخوف في مواجهة سياسة "الحديد والنار" في مصر، وكانت تظاهرات الجمعة مؤشراً أولياً على ذلك، في ظل الوضع السيء للحريات في مصر.
لكنّ التصريحات الرسميّة تؤكّد "وحدة الصف"، آخرها تصريحات وزير الدفاع اللواء محمد زكي، والتي أكّد فيها على أنّ القوات المسلّحة المصرية على قلب رجلٍ واحدٍ، وهي التصريحات التي جاءت قبل /48/ ساعة من تظاهرات الجمعة.
الموقف الرسمي
لكنّ بموازاة ذلك، تنظر السلطات المصرية إلى تلك الاتهامات والدعوات، باعتبارها جزء من "مؤامرة مُدبّرة لإسقاط مصر، وهدم استقرارها" تشترك فيها جماعة الإخوان المسلمين (التي تصنفها السلطات المصرية تنظيماً إرهابياً) وجهات إقليمية ودولية لا تريد لمصر استقراراً أو أمناً وفي مقدمتها (تركيا وقطر) اللتان تأويان قيادات جماعة الإخوان، وهو ما يظهر في الخطاب الإعلامي المصري وكذا في خطابات السياسيين والبرلمانيين المواليين للسلطات المصرية، وحتى في تعاطي المسؤولين المصريين مع تلك الوقائع.
ودعا برلمانيون مصريون، في ظلّ تلك الأزمة غير المسبوقة، الشعب المصري، إلى "الالتفاف حول القيادة السياسية" لتفويت الفرصة على "محاولات هدم الدولة واستقرارها"، كما أصدرت أحزاب سياسية بيانات متزامنة تدعو للتكاتف والالتفاف حول الرئيس السيسي. في الوقت الذي أعلن فيه كاتب صحافي مقرب من الرئيس السيسي وهو ياسر رزق، أن السيسي بصدد الإعلان عن مبادرة للإصلاح السياسي في العام 2020.
وماذا بعد؟
تظاهرات الجمعة التي مثّلت كسراً لحاجز الخوف، ربما تتبعها فعاليات معارضة متكررة في الفترة المقبلة، كما هو متوقع من قبل الكثيرين، حتى ممن شاركوا في تظاهرات أمس، في الوقت الذي يتوقع فيه أن تلجأ قوات الأمن إلى تعامل أكثر عنفاً للحدّ من التظاهرات ما إن لم يكن لـ "صراع الأجهزة" دوراً في حسم المشهد.
اهتزاز الصورة
"ويُهدد تصاعد الغضب وكسر حاجز الخوف في مصر بقاء السلطات المصرية الحالية، ما إن لم تتخذ من جانبها إجراءات عملية للسيطرة على الوضع"، هذا ما يؤكده أستاذ علوم سياسية بارز في مصر، لم يسمح بذكر اسمه في ظل الاحتقان الحادث في مصر، ويشير في تصريح مقتضب لـ"نورث برس" إلى أنّ "السلطة في مصر مُطالبة بإجراء إصلاحات عامة في سياساتها، بخاصة فيما يتعلق بملف الحريات، فضلاً عن السياسات الاقتصادية التي تخنق المواطن المصري".
لكنه استبعد في الوقت ذاته وجود ما وصفه البعض بـ"صراع الأجهزة". ووصف ذلك الصراع المزعوم بأنه "مختلق (…) وأن هناك جهاتٌ تتمنى حدوث ذلك الصراع، وتسعى للترويج له لإيهام الناس، وإقناعهم بالنزول والمشاركة (…) هناك تنسيق بين الأجهزة بشكل كبير.. وأي خلاف يتم احتواؤه دون تعريض أمن البلد للخطر".
وفي السياق، أفاد أستاذ العلوم السياسية بالقاهرة الدكتور حسن نافعة، بأنّ "الرسالة التي أراد شعب مصر إبلاغها للرئيس السيسي هي: (سقط القناع ولم تعد أهلاً للثقة) من خلال المتظاهرين الذين نزلوا إلى الميادين في عدد كبير من المدن المصرية متحدين مشاعر الخوف وسطوة الأجهزة القمعية"، متسائلاً: "فهل وصلت الرسالة؟ وهل سيستخلص السيسي معناها الصحيح ويتصرف على أساسه؟".
وشدّد على أنّه "لا توجد أزمة ثقةٍ بين الشعب والجيش ولن يكون أبداً, ولكن توجد أزمة ثقة بين القيادة السياسية الحالية والشعب؛ فالانتماء للمؤسسة العسكرية لا يعفي القيادة السياسية من المساءلة, وقد ثار الشعب كله على مبارك رغم أنه كان قائداً عسكريا بل ومن أبطال حرب أكتوبر. فمتى يدركون هذه الحقائق البسيطة؟".
ورأى –في سلسلة تغريدات متزامنة له عبر تويتر- أنه "سواء كان محمد علي صادقاً كلياً أو جزئياً أو غير صادق فلا شك أنّ الصورة التي صنعها السيسي لنفسه اهتزت تماماً وحلّت محلها صورة نقيضة. ولأنّه كان قد أقسم أنّه لن يبقى لحظة إذا أحس أنّ الشعب لا يريده, فقد حان الوقت لتذكيره وتذكير القوى المحبة للوطن كافة أن تستعد بشكل منظم لمرحلة ما بعد السيسي".
ويعيد ذلك المشهد المضطرب في مصر للأذهان مشاهد الاضطراب الأمني في مصر إبان ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011 والفترات التي تلتها حتى ثورة 30 حزيران/يونيو 2013، وهي المرحلة التي لم يهدأ فيها الشارع المصري ولم يخل من التظاهرات والفعاليات الاحتجاجية المتكررة.