مجلس الشعب السوري الجديد.. كيف أُعيد تشكيل السلطة التشريعية بعد سقوط الأسد؟
دمشق ـ نورث برس
يبرز مجلس الشعب الحالي في سوريا كأول سلطة تشريعية تُعاد صياغتها بعد سقوط النظام السابق، وفي سياق مرحلة انتقالية تُعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الدولة السورية الحديث، إذ جاء تأسيسه نتيجة فراغ دستوري كامل عقب تعليق العمل بدستور 2012، وانهيار مؤسسات الحكم التقليدية التي كانت قائمة لعقود.
ولادة جديدة للسلطة التشريعية
يمثل هذا المجلس محاولة لإعادة بناء السلطة التشريعية على أسس جديدة، ضمن إطار إعلان دستوري مؤقت صدر في آذار/ مارس 2025، ليحدد ملامح المرحلة الانتقالية ويضع الأساس القانوني لعمل مؤسسات الدولة إلى حين إقرار دستور دائم جديد.
قبل هذه التحولات، كان مجلس الشعب السوري يُعد المؤسسة التشريعية الرسمية منذ عام 1971 في ظل نظام حزب البعث، حيث كان يتألف من 250 عضوًا يُنتخبون بشكل دوري كل أربع سنوات ضمن انتخابات اتسمت بطابع شكلي، في ظل هيمنة السلطة التنفيذية وغياب التعددية السياسية الفعلية. وقد استمر هذا النموذج حتى سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، لتدخل البلاد بعدها في فراغ سياسي ودستوري استمر عدة أشهر، قبل أن يُعاد تشكيل الإطار المؤسسي عبر الإعلان الدستوري الانتقالي.
وقد نص الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 على وقف العمل بالدستور السابق بالكامل، وعلى أن يتولى مجلس الشعب الجديد ممارسة السلطة التشريعية المؤقتة بوصفه الهيئة التشريعية العليا خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين اعتماد دستور جديد وإجراء انتخابات عامة على أساسه. كما حدد الإعلان مدة ولاية المجلس بثلاثين شهرًا قابلة للتمديد، مع إلزامه بوضع نظامه الداخلي خلال شهر واحد من انعقاده، بما يشمل آليات التصويت وتشكيل اللجان وتنظيم العمل البرلماني والانضباط التشريعي.
جاء تشكيل المجلس في ظروف استثنائية معقدة، دفعت إلى اعتماد آلية غير مباشرة في اختيار أعضائه بدل الانتخابات العامة المباشرة، حيث جرى إنشاء هيئات ناخبة فرعية في المحافظات تتولى عملية الاختيار، ضمن نموذج يجمع بين الانتخاب غير المباشر والتعيين الرئاسي. ووفق هذا الإطار، يتم انتخاب ثلثي أعضاء المجلس عبر هذه الهيئات، فيما يُعيّن رئيس الجمهورية الثلث الأخير، المعروف اصطلاحًا بـ«الثلث المكمل»، بهدف سد الثغرات التمثيلية وضمان إدخال كفاءات أو فئات يصعب وصولها عبر العملية الانتخابية في الظروف الحالية.
وقد بلغ العدد الإجمالي لأعضاء مجلس الشعب 210 أعضاء وفق المرسوم رقم 143 لعام 2025، حيث يُنتخب 140 عضوًا عبر الهيئات الناخبة، بينما يُعيّن 70 عضوًا من قبل رئيس الجمهورية، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن بين التمثيل الشعبي والاعتبارات الواقعية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية. كما جرى توزيع المقاعد بين المحافظات على أساس الكثافة السكانية قبل الحرب، مع مراعاة التغيرات الناتجة عن النزوح والدمار، بحيث حصلت المحافظات الكبرى مثل حلب على الحصة الأكبر من المقاعد، تلتها دمشق وريفها وحمص وحماة وإدلب، في حين نالت المحافظات الأصغر عددًا أقل من المقاعد، مع اعتماد آلية التعيين لتعويض أي نقص تمثيلي في بعض المناطق المتضررة.
ويُعد رئيس الجمهورية أحمد الشرع أحد أبرز الأطراف المؤثرة في تشكيل هذا المجلس، من خلال دوره في تعيين الثلث المكمل، ضمن صلاحيات المرحلة الانتقالية التي نص عليها الإعلان الدستوري، بما يضمن استكمال البنية التشريعية في ظل غياب انتخابات عامة مباشرة. ويعكس هذا النموذج الطبيعة الاستثنائية للمرحلة، حيث تتداخل فيها الصلاحيات بين المؤسسات بهدف إدارة الدولة ومنع الفراغ التشريعي.
أما على مستوى الصلاحيات، فيتمتع مجلس الشعب بسلطة تشريعية واسعة تشمل اقتراح القوانين وإقرارها وتعديلها أو إلغائها، في إطار عملية إعادة بناء المنظومة القانونية للدولة بعد عقود من التشريعات السابقة. وتشكل مراجعة قوانين الإعلام والأحزاب والعمل المدني وقانون العاملين في الدولة أحد أبرز أولويات المجلس، إلى جانب التوجه نحو تحديث البنية القانونية بما يتناسب مع مرحلة ما بعد النظام السابق.
وفي الجانب الرقابي والمالي، يملك المجلس صلاحية إقرار الموازنة العامة للدولة والمصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وهو ما يمنحه دورًا محوريًا في إعادة دمج سوريا ضمن النظامين الإقليمي والدولي وفق أسس قانونية جديدة. غير أن صلاحياته الرقابية تبقى محدودة نسبيًا، إذ لا يملك صلاحية حجب الثقة عن الحكومة أو الوزراء، ويقتصر دوره على جلسات الاستماع والاستجواب، ما يعكس طبيعة التوازن المؤسسي في هذه المرحلة الانتقالية التي تميل فيها الكفة نحو السلطة التنفيذية.
كما يتولى المجلس تنظيم شؤونه الداخلية، بما في ذلك قبول استقالة الأعضاء أو رفضها، ورفع الحصانة البرلمانية عند الحاجة، إضافة إلى تشكيل لجان متخصصة في المجالات القانونية والمالية والخدمية وغيرها، على أن يتم تنظيم آليات العمل من خلال نظام داخلي يُفترض إقراره خلال الفترة الأولى من عمر المجلس. وتُتخذ القرارات داخل المجلس وفق مبدأ الأغلبية، في إطار بنية تشريعية ما زالت في طور التأسيس وإعادة البناء.
مجلس انتقالي في إطار “سلطة الضرورة”
ويُنظر إلى مجلس الشعب الحالي باعتباره هيئة انتقالية تعمل في إطار ما يُعرف بـ«سلطة الضرورة»، أي السلطة المؤقتة التي تنشأ لتفادي الفراغ الدستوري وضمان استمرارية الدولة إلى حين إقرار دستور دائم. ومن هذا المنظور، لا يُعد المجلس برلمانًا نهائيًا بقدر ما هو مرحلة تأسيسية لإعادة بناء النظام السياسي من جديد، بما يحمله ذلك من طابع مؤقت واستثنائي.
ورغم أهمية هذه الخطوة في إعادة تشكيل الحياة السياسية، إلا أن المجلس يواجه جملة من التحديات، أبرزها الجدل حول مدى استقلاليته نتيجة تعيين ثلث أعضائه من قبل رئيس الجمهورية، إضافة إلى محدودية المشاركة الشعبية بسبب الاعتماد على الانتخابات غير المباشرة، فضلاً عن ضعف الفصل بين السلطات مقارنة بالنماذج البرلمانية التقليدية.
في المقابل، يرى مؤيدو هذا المسار أن المجلس يشكل فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أسس جديدة بعد سنوات طويلة من الصراع، إذ يوفر إطارًا تشريعيًا يمكن من خلاله إطلاق إصلاحات قانونية واسعة، خاصة في مجالات العدالة الانتقالية والإعلام والأحزاب ومكافحة الفساد. كما يُنظر إليه كخطوة أولى نحو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإرساء قواعد دولة القانون تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة دستورية أكثر استقرارًا وشمولًا في المستقبل.