عودة زراعة الخضار البعلية في كوباني.. طعم أصيل وعائدات اقتصادية بلا مصاريف

فتاح عيسى ​ـ كوباني

​يتفقد المزارع ويسو محمد نور نبتات العجور والبطيخ التي تفترش الأرض في ريف كوباني الجنوبي، ويمسك بحبة عجور ناضجة ويقول بنبرة يملؤها الرضا: “لقد أحيينا هذه الزراعة هذا العام بعد أن هطلت الثلوج والأمطار الغزيرة؛ فالتربة هنا جيدة، وعندما يرتوي باطن الأرض، تعطينا أفضل ما لديها وبدون قطرة ري واحدة”.

​ويعد ويسو واحداً من بين عشرات المزارعين في قرى جنوب كوباني الذين عادوا هذا الموسم لإحياء “الزراعة البعلية” للخضار الصيفية، مستغلين الموسم المطري الوفير الذي شهدته المنطقة مؤخراً، بعد سنوات عجاف من الجفاف انحسرت فيها هذه الزراعة التقليدية إلى حد كبير.

وتشكل الزراعة البعلية للخضار في ريف كوباني الجنوبي ركيزة اقتصادية وغذائية هامة للسكان؛ إذ تعتمد شريحة واسعة من المزارعين على مياه الأمطار الشتوية المخزنة في التربة لإنتاج محاصيل صيفية متنوعة (كالجبس، والبطيخ، والعجور، والبندورة، والبامية) دون الحاجة لشبكات ري أو تكاليف محروقات.

ورغم ارتباط هذا القطاع بـ “رهان المناخ” وتذبذب الأمطار من عام لآخر، إلا أنه يمثل هذا الموسم متنفساً ماديّاً ومصدراً أساسياً للمؤونة الذاتية، وسط بيئة زراعية تتميز بجودة تربتها الحمراء وقدرتها على الإنتاج الطبيعي الخالي من الأسمدة الكيماوية.

​بين ثلوج الشتاء وقطاف حزيران

يقول أوصمان عزيز، وهو مزارع من جنوب كوباني لنورث برس، إن هذه الزراعة لها ارتباط وثيق بالمناخ، فالمزارعون يلجؤون لزراعة أرضهم بعلاً بحسب وضع الأمطار؛ ففي الموسم الفائت مثلاً لم يلجأ المزارعون لهذه الزراعة لأن الأمطار لم تكن كافية، بينما هذا العام كانت الهطولات المطرية والثلجية خلال فصل الشتاء ممتازة وساهمت بترطيب التربة بعمق، وهو الأساس لنجاح موسم الزراعة البعلية.

​ويضيف عزيز أن زراعة هذه الخضار تبدأ في شهر نيسان/ أبريل، لتبدأ عمليات القطاف بعد منتصف شهر حزيران/ يونيو.

ويتابع عزيز أن بعض الأصناف تنجح بامتياز في البيئة البعلية مثل “العجور، والقثاء، والجبس، والبامية، والكوسا، والبندورة”، في حين لا تنجح زراعات أخرى كالفليلفة والباذنجان والخيار التي تتطلب رياً مستمراً.

​تكاليف شبه معدومة

تتميز الخضار البعلية بمصاريفها المنخفضة جداً مقارنة بالزراعات المروية التي تستهلك مبالغ طائلة على المحروقات ومضخات المياه، ووفقاً للمزارعين، تقتصر التكاليف على شراء البذار ونقعها بالماء قبل غرسها.

​يقول أوصمان عزيز، إنهم في الماضي كانوا يحرثون الأرض المزروعة بعلاً بواسطة الحيوانات، ولكنها غير متوفرة حالياً، لذا يقومون بعمليات التعشيب والتعزيق يدوياً، وتجميع التراب حول النبتة لمنع تشقق الأرض والحفاظ على رطوبتها.

بدوره، يقول ويسو محمد نور لنورث برس إن غياب تكاليف الأيدي العاملة يزيد من الجدوى الاقتصادية، حيث يعتمد المزارعون على أفراد عائلاتهم في عمليات القطاف اليومية.

​ويضيف محمد نور أن المساحات الكبيرة تحقق عائداً ماديّاً مجزيّاً؛ إذ يمكن للمزارع أن يستفيد بمبلغ يتراوح بين 150 إلى 200 ألف ليرة سورية يومياً من بيع الفائض، وبدون أي مصاريف تشغيلية تذكر، مشيراً إلى أنه في بعض الأحيان، يستغل المزارعون المساحات الفاصلة بين أشجار الفستق لزراعة الخضار، مما يساهم في تحسين حراثة الأرض وخدمة الأشجار والإنتاج معاً.

​سر الطعم

يشير محمد نور إلى أنه رغم أن الإنتاج البعلي قد يكون أقل وفرة من المروي كميّاً، حيث ينتج نصف هكتار من البندورة نحو 10 صناديق كل ثلاثة أيام، ونصف هكتار من العجور حوالي 150 كيلوغراماً يومياً، إلا أن جودته وتأثيره التسويقي يتفوقان بشكل ملحوظ نظراً لطعمه المميز.

ويتفق مزارعو المنطقة على رفض استخدام الأسمدة والمقويات الكيماوية، لأن الزبائن يأتون لهذه القرى خصيصاً من المدينة لشراء العجور والقثاء والبندورة البعلية لأن طعمها مختلف تماماً وألذ بكثير من الخضار المروية بحسب المزارع أوصمان عزيز.

 ويقول عزيز إنهم لا يستخدمون أي أسمدة لأن المقويات تفسد الطعم الأصيل، ويكتفون فقط برش مبيد حشري في المراحل الأولى لحماية النبتة من حشرة صغيرة تأكلها قبل نموها.

​تأمين “المونة” وإحياء الذاكرة

بالنسبة للعائلات في ريف كوباني، لا تقتصر هذه الزراعة على البعد التجاري، بل تساهم في تأمين “مونة الشتاء” من الخضار.

تقول زلو تمي وهي مزارعة مسنة مستذكرة الماضي، لنور برس إنهم عندما كانوا صغاراً، كان أهاليهم يزرعون الخضار بعلاً دائماً، ثم تركوا هذه الزراعة لسنوات بسبب الجفاف، لكن هذا العام، ومع الثلوج والأمطار الغزيرة، عادوا إليها بحنين؛ فزرعت العجور والبندورة وخضاراً أخرى، لتستفيد منها لصناعة دبس البندورة وتأمين مؤونة الشتاء لعائلاته ولأولادها.

​بدوره يعود المزارع علي الصغير بذاكرته إلى أكثر من أربعين عاماً قائلاً: “كنا في الماضي نزرع حتى السمسم والذرة بعلاً، ونخلطها مع طحين القمح لإعداد الخبز، وكنا نزرع الخضار والجبس كل عام تقريباً. السنوات الماضية حبست عنا الأمطار فحرمتنا من هذه المواسم، ولكننا اليوم نأكل ونستفيد مجدداً من خيرات أرضنا البعلية بفضل هذا الموسم”.

تحرير: معاذ الحمد