اللغة السريانية في سوريا: حضور تاريخي وغياب رسمي
أفين علو – نورث برس
تُعدّ اللغة السريانية واحدة من أقدم اللغات الحية في الشرق الأوسط، وتشكل ركناً أساسياً من الهوية الثقافية والدينية للسريان في سوريا. وعلى الرغم من حضورها التاريخي الممتد لقرون، لا سيما في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي، فإن أبناء المجتمع السرياني ما زالوا يواجهون تحديات تتعلق بمكانة لغتهم ومستقبلها في ظل غياب اعتراف رسمي واضح يضمن حضورها في المؤسسات التعليمية والإدارية.
ومع دخول سوريا مرحلة انتقالية جديدة، عادت قضايا اللغات المحلية وحقوق المكونات الثقافية إلى واجهة النقاش العام، وسط مطالب متزايدة بالاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع السوري. ويرى ناشطون ومهتمون بالشأن السرياني أن اللغة السريانية بوصفها لغة تراث وهوية، ما تزال بحاجة إلى حماية قانونية وإدارية تضمن استمراريتها للأجيال القادمة.
بين الوعود الدستورية والواقع
في ظل النقاشات الدائرة حول مستقبل الحقوق الثقافية واللغوية في سوريا، يبرز التساؤل حول موقع اللغة السريانية ضمن الأطر القانونية الحالية. ويشير إداريون وناشطون سريان إلى أن النصوص القائمة لا تمنح اللغة حضوراً واضحاً يوازي أهميتها التاريخية والثقافية.
ويقول مالك أسمر وهو إداري في مؤسسة “أولف تاو” المعنية بتعليم اللغة السريانية، لنورث برس، إن المؤسسة عملت خلال السنوات الماضية على تثبيت اللغة السريانية قانونياً وإدارياً ضمن المؤسسات التعليمية في مناطق شمال وشرق سوريا، مضيفاً أن المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد يجب أن تضمن حقوق الشعب السرياني ولغته باعتبارها إحدى اللغات التاريخية في سوريا.
ويرى أسمر أن المادة السابعة من الإعلان الدستوري، التي تنص على ضمان الحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، تفتح المجال أمام إصدار تشريعات أو مراسيم تضمن حماية اللغات المحلية، داعياً إلى إصدار مرسوم خاص يحمي جميع اللغات السورية، وفي مقدمتها السريانية، بما يضمن مساواة جميع المكونات في الحقوق الثقافية والتعليمية.
ويحذر من أن استمرار غياب الاعتراف الرسمي سيبقي جهود الحفاظ على اللغة محصورة بالمبادرات الفردية والكنسية، كما كان الحال خلال العقود السابقة، مؤكداً أن الطموح الحقيقي يتمثل في منح اللغة دوراً فاعلاً داخل المؤسسات التعليمية والثقافية الرسمية.
وقبل أيام، نظّم سريان وقفة احتجاجية أمام مبنى محافظة الحسكة للمطالبة بالاعتراف باللغة السريانية وحقوق الشعب السرياني، وخلال الوقفة قال نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، إن مطالبهم محقة وستصل للجهات المعنية في الدولة.
التعليم السرياني.. معركة البقاء
ويُعد التعليم من أكثر الملفات تأثراً بغياب الاعتراف الرسمي باللغة السريانية. ففي حين تستمر بعض المؤسسات والمراكز الثقافية في تدريس اللغة، يواجه المعلمون والطلاب تحديات تتعلق بالمناهج والموارد والدعم المؤسسي.
وتقول نورة ملكي لنورث برس، إن أبناء المجتمع السرياني شعروا بإحباط بعد عدم إدراج اللغة السريانية ضمن اللغات المعترف بها في المدارس والجامعات، إلا أنها تؤكد أن الأمل ما زال قائماً في الوصول إلى تفاهمات مع الدولة السورية تفضي إلى الاعتراف باللغة وحمايتها.

وتضيف أن اللغة السريانية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء يحمل تاريخ وتراث الشعب السرياني، مشيرة إلى أن السريان لعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مدينة القامشلي بعد قدومهم من منطقة طور عابدين، وأن اللغة تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة.
وتوضح ملكي أن الحفاظ على اللغة لا يقتصر على المؤسسات التعليمية، بل يبدأ من الأسرة والمجتمع، داعية إلى التحدث بالسريانية في المنازل والمدارس والأنشطة الاجتماعية، إلى جانب دعم المؤسسات التعليمية المتخصصة مثل “أولف تاو” التي تعمل على تعليم اللغة ونشرها.
من جانبه، يرى مدرس اللغة السريانية يعقوب برصوم، أن عدم الاعتراف باللغة السريانية كلغة رسمية أو وطنية انعكس سلباً على اهتمام بعض الطلاب بتعلمها، إلا أن ارتباط السريان بلغتهم داخل الأسرة ما يزال يشكل دافعاً مهماً لاستمرار تعلمها.
ويشير برصوم لنورث برس إلى أن التحديات المادية تعد من أبرز العقبات، نظراً لعدم تخصيص ميزانيات رسمية لدعم تعليم اللغة، ما يدفع الكنائس والمؤسسات الأهلية إلى تحمل الجزء الأكبر من تكاليف الحفاظ عليها. ويضيف أن قنوات إعلامية ومؤسسات ثقافية ومدارس كنسية تواصل جهودها للحيلولة دون اندثار اللغة وضمان استمراريتها.
“حين تصبح اللغة وطناً”
بالنسبة لكثير من أبناء المجتمع السرياني، لا تنفصل اللغة عن الهوية والانتماء الثقافي. ويعتبر ناشطون ومهتمون بالشأن الثقافي السرياني أن أي تهميش قانوني أو دستوري للغة ينعكس مباشرة على شعور المكون السرياني بالاعتراف والحضور داخل الفضاء الوطني.
وتؤكد نورة ملكي أن اللغة السريانية تمثل هوية متكاملة تحمل الذاكرة التاريخية والثقافية والدينية للسريان، معتبرة أن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة المجتمع والمؤسسات والدولة على حد سواء.
أما الجيل الشاب، فيجد نفسه أمام تحديات إضافية نتيجة الدراسة والعمل بلغات أخرى. ويقول الطالب في جامعة دمشق سيمون جبرو لنورث برس، إن الدراسة بلغة غير اللغة الأم تؤدي تدريجياً إلى تراجع استخدامها في الحياة اليومية، خاصة في ظل غيابها عن المؤسسات الرسمية والمدارس والجامعات.
ويضيف أن هذا الواقع يفرض على الشباب بذل جهود إضافية للحفاظ على لغتهم، سواء من خلال التحدث بها داخل الأسرة أو الاستماع إلى الأغاني السريانية ومتابعة المحتوى الإعلامي الناطق بها.
ويرى جبرو أن الاعتراف الرسمي باللغة السريانية سيمنحها قوة وحضوراً أكبر بين الأجيال الجديدة، وسيسهم في تشجيع الشباب على تعلمها واستخدامها باعتبارها جزءاً من هويتهم الثقافية.
حضور يتجاوز الاعتراف الرسمي
ورغم التحديات القانونية والتعليمية، ما تزال اللغة السريانية حاضرة في الحياة اليومية لآلاف السريان في الحسكة والقامشلي وبلدات أخرى، حيث تُستخدم داخل المنازل والكنائس والمناسبات الاجتماعية، كما تستمر المؤسسات الدينية والثقافية في تنظيم نشاطات وبرامج تعليمية للحفاظ عليها.
وتلعب المراكز الثقافية والكنائس ووسائل الإعلام السريانية دوراً محورياً في توثيق التراث السرياني وتعزيز استخدام اللغة بين الأجيال الشابة، إلا أن المهتمين بالشأن السرياني يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى سياسات رسمية تضمن استدامتها.
ومع استمرار النقاشات حول شكل الدولة السورية ومستقبلها الثقافي، تتصاعد مطالب أبناء المجتمع السرياني بضرورة الاعتراف باللغة السريانية كلغة وطنية أو محلية معترف بها، بما يضمن حمايتها ودعم تعليمها وحضورها في المؤسسات العامة.
وبين مخاوف من تراجع استخدامها تدريجياً نتيجة غياب الدعم الرسمي، وآمال بإقرار سياسات أكثر انفتاحاً على التعدد اللغوي والثقافي، تبقى اللغة السريانية اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الانتقال من فضاء الكنيسة والمنزل إلى فضاء الدولة والمؤسسات، بما يضمن استمرار واحدة من أقدم لغات المنطقة في الحياة العامة السورية.