التعليم في سوريا: من التعدد إلى التوحيد التدريجي (2011-2026)

غرفة الأخبار – نورث برس

شهد التعليم في سوريا منذ بدء الاحتجاجات ثم الحرب بعد عام 2011، تحوّلاً جذرياً من نظام مركزي موحد إلى منظومة تعليمية متعددة السلطات والمناهج، نتيجة الانقسام الجغرافي والسياسي الذي فرضه الواقع.

ومع توسع مناطق السيطرة بين أطراف مختلفة، لم يعد هناك مرجع تعليمي واحد، بل ظهرت مسارات متعددة أعادت تشكيل المشهد التعليمي بشكل كامل، سواء من حيث المناهج أو الامتحانات أو الاعتراف بالشهادات.

تعدد المناهج خلال سنوات الحرب

في شمال وشرق سوريا، برزت الإدارة الذاتية كسلطة تعليمية مستقلة اعتمدت منهاجاً خاصاً بها، طُبق في مناطق سيطرتها، ثم توسع تدريجياً ليشمل مراحل تعليمية متقدمة وصلت إلى المرحلة الثانوية.

ولم يكن المنهاج واحداً داخل هذه الجغرافيا، بل جرى اعتماد أكثر من صيغة، شملت المنهاج الخاص بالإدارة الذاتية، إلى جانب المنهاج السوري الرسمي في بعض المناطق مثل منبج وريفها، فضلاً عن مناهج مدعومة من منظمات دولية في مناطق أخرى، ما عكس درجة عالية من التعدد والتعقيد بنفس الوقت.

غير أن هذا المسار بدأ لاحقاً بالدخول في مرحلة انتقالية، مع صدور ترتيبات تسمح بدمج تدريجي لطلاب هذه المناهج ضمن النظام الوطني، بما يخفف من آثار الانقسام التعليمي الطويل.

وفي شمال غرب سوريا، كانت إدارة التعليم موزعة بين كيانات محلية، أبرزها حكومة الإنقاذ في إدلب. هناك، اعتمدت المدارس منهاجاً قريباً من المنهاج السوري السابق مع تعديلات مرتبطة بالسياق السياسي، بينما ظلت قضية الاعتراف بالشهادات واحدة من أبرز الإشكالات التي واجهت الطلاب، كما في مناطق الإدارة الذاتية.

وفي ريف حلب، تنوعت المرجعيات التعليمية بين مناطق اتبعت نموذج حكومة الإنقاذ، وأخرى اعتمدت مجالس محلية بمناهج مختلفة، ما أدى إلى تفاوت واضح في طبيعة التعليم ومستوى المخرجات.

أما مناطق سيطرة النظام المخلوع قبل أواخر 2024، فقد واصلت العمل بالمنهاج الرسمي القديم، الذي بقي المرجع الأساسي للتعليم والامتحانات حتى لحظة التحول السياسي الذي أعاد فتح ملف المناهج على نطاق واسع.

ومع هذا التعدد، أصبح المشهد التعليمي في سوريا قائمًا على أنظمة متوازية، لكل منها مرجعيته وامتحاناته وشهاداته، ما أدى إلى حالة من الانقسام المؤسسي العميق في قطاع التعليم.

مرحلة ما بعد 2024 وبداية مشروع توحيد المنهاج والامتحانات

مع أواخر عام 2024 وبداية المرحلة السياسية الجديدة، دخل التعليم في سوريا مرحلة إعادة صياغة شاملة، حيث بدأت وزارة التربية والتعليم عملية مراجعة واسعة للمناهج السابقة وإعادة بناء المحتوى التعليمي على أسس جديدة.

وقد شملت هذه العملية حذف الرموز والصور المرتبطة بالمرحلة السابقة، وإعادة تعديل أجزاء من المواد الدراسية، بما في ذلك مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الدينية وبعض المضامين الأخرى، وصولًا إلى إصدار نسخ مدرسية جديدة تعكس التوجه الجديد للدولة، بحسب الوزارة.

وفي عام 2025، تطور هذا المسار نحو اعتماد نسخة 2024–2025 كأساس للمنهاج الجديد، مع استمرار عمليات التنقيح والتعديل، في إشارة إلى انتقال التعليم من مرحلة “التعديل الشكلي” إلى مرحلة “إعادة الهيكلة”.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت الوزارة في تطبيق المنهاج الموحد تدريجياً في الصفوف الانتقالية، بدل فرضه دفعة واحدة، بهدف تقليل الصدمة التعليمية على الطلاب والمعلمين وضمان استيعاب تدريجي للنظام الجديد.

وفي ملف الامتحانات، بدأ التحول من أنظمة متوازية إلى مسار دمج تدريجي أكثر وضوحاً، خصوصاً في المحافظات الشرقية. فقد جرت ترتيبات بين وزارة التربية والإدارة الذاتية لتنظيم امتحانات الشهادات بما يسمح بانتقال أكثر سلاسة للطلاب بين المناهج المختلفة.

ثم جاء اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026 ليشكل نقطة مفصلية في هذا المسار، إذ نص على خطوات عملية لتوحيد المنظومة التعليمية، بما في ذلك دمج عشرات آلاف المعلمين وافتتاح آلاف المدارس التي بدأت بتطبيق المنهاج الحكومي الموحد في مناطق واسعة من شرق البلاد.

وبموجب هذا المسار، سُمح للطلاب الذين درسوا سابقاً وفق مناهج الإدارة الذاتية بالتقدم إلى امتحانات الشهادات العامة خلال فترة انتقالية محددة تمتد لعامي 2025–2026 و2026–2027، ما وفر حلاً وسطاً بين الاعتراف بالواقع التعليمي السابق وبين الدفع نحو نظام موحد.

وفي الوقت نفسه، بدأت الوزارة في ترسيخ المنهاج الجديد تدريجياً باعتباره المرجعية الوحيدة المستقبلية، مع استمرار عملية تدريب المعلمين وتوحيد الإشراف التربوي في مختلف المحافظات.

ومع وصول المشهد التعليمي إلى عامي 2025 و2026، يمكن القول إن سوريا انتقلت من مرحلة التعدد الكامل إلى مرحلة “التوحيد التدريجي غير المكتمل”، حيث يجري بناء نظام تعليمي جديد على أنقاض منظومات متفرقة استمرت لسنوات.

ورغم التقدم الملحوظ في توحيد المناهج والامتحانات، لا يزال المسار في طور الانتقال، ويعتمد بشكل كبير على التفاهمات السياسية والقدرة المؤسسية على تنفيذ الدمج بشكل متوازن بين مختلف المناطق.

تحرير: معاذ الحمد