سامر ياسين – نورث برس
تواصل أزمة المياه في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا ضغطها على السكان منذ نحو ست سنوات، في ظل اعتماد واسع على مصادر بديلة مؤقتة ولا تصلح لكافة الاستخدامات المنزلية أو الشرب، بعد توقف محطة علوك التي تُعد المصدر الرئيسي لتغذية المدينة وريفها بمياه الشرب.
وتعود جذور الأزمة إلى أواخر عام 2019، حين خرجت محطة علوك الواقعة في ريف سري كانيه/رأس العين عن العمل بشكل منتظم عقب اجتياح تركي للمنطقة، ما أدى إلى حرمان مئات آلاف السكان من المياه بشكل متكرر، ودفعهم للاعتماد على الصهاريج والخزانات التي تديرها منظمات دولية ومحلية.
“مياه لا تكفي ولا تصلح للشرب”
في حي الغويران بمدينة الحسكة، يصف عيسى العزاوي واقع المياه بأنه يعتمد بالكامل على مصادر بديلة غير مستقرة، قائلاً إن المياه التي تصلهم هي مياه آبار فقط، في حين لم تصل مياه الشبكة إطلاقاً إلى الحي منذ سنوات.
ويقول “العزاوي” لنورث برس إن بعض المساعدات المتعلقة بتعبئة المياه التي تقدمها المنظمات ساهمت في تخفيف جزء من الأزمة، لكن الاعتماد الأساسي بقي على مياه الآبار والصهاريج، التي “لا تصلح للشرب” على حد تعبيره، بسبب جودتها المتدنية.
ويضيف أن التكلفة المالية باتت عبئاً إضافياً، إذ يبلغ ثمن تعبئة الخزان الواحد نحو 35 ألف ليرة سورية، وهي كمية لا تكفي سوى للاستخدامات الأساسية، بينما تُستخدم مياه الآبار لبقية الاحتياجات اليومية رغم مخاطرها الصحية.
ويشير إلى أن المياه تسببت بأضرار صحية ومادية في آن واحد، من بينها مشاكل جلدية وحالات مرتبطة بالكلى، إضافة إلى تلف الأجهزة المنزلية نتيجة ارتفاع نسبة الكلس، ما أدى إلى تآكل الأدوات المعدنية وشبكات الصرف داخل المنازل.
وفي خضم هذه المعاناة، قال نائب محافظ الحسكة والمتحدث الرسمي باسم الفريق الرئاسي المعني بملف الدمج وتطبيق اتفاقية 29 يناير أحمد الهلالي، في تصريح لنورث برس نهاية أيار/مايو الماضي، إن محطة علوك من المقرر أن تعود إلى العمل مطلع تموز/يوليو المقبل، في إطار عمليات الصيانة والتجهيزات الخاصة بالمحطة.
لكن على الأرض، يصف مدير محطة علوك عمر السالم الواقع بشكل مختلف، إذ يؤكد لنورث برس أن العمل جارٍ “بكامل الطاقات وبوتيرة عالية” لإعادة تشغيل المحطة، مع استمرار غياب أي جدول زمني واضح لبدء الضخ الفعلي، في وقت تتواصل فيه أعمال الصيانة بإشراف وزارة الطاقة، وبعد بدء تطبيق اتفاقية 29 يناير التي أعادت بموجبها الحكومة السورية السيطرة على مدينة سري كانيه/رأس العين حيث تقع المحطة، وبمشاركة من الصليب الأحمر الدولي ومنظمة محلية تُدعى “المستقبل”.
وبين التصريحات والواقع، تتجدد يوميات العطش داخل أحياء المدينة، حيث تتحول المياه إلى عبء يومي لا يقل قسوة عن الأزمة نفسها، مع استمرار الاعتماد على مصادر غير مستقرة لا تغطي الحاجة الفعلية للسكان، حسب تعبيرهم.
“راتب مليون ليرة.. 400 ألف للمياه فقط”
في حي الكلاسة، يختصر عبد المحسن النعيمي معاناته اليومية بالأرقام، قائلاً إن مشكلة المياه أصبحت عبئاً عاماً يثقل كاهل السكان، حيث يضطر لدفع نحو 400 ألف ليرة شهرياً لتأمين المياه، من راتب لا يتجاوز مليون ليرة.
ويقول “النعيمي” لنورث برس إن هذا الواقع يجعل جزءاً كبيراً من الدخل مخصصاً فقط للمياه، ما يترك هامشاً ضيقاً لتغطية باقي الاحتياجات الأساسية، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.
ويضيف، أن المياه المتوفرة حالياً “مالحة ومليئة بالكلس”، ما تسبب بانتشار مشاكل صحية، خاصة أمراض الكلى، مشيراً إلى أن استخدام الفلاتر أصبح خياراً متاحاً فقط لمن يستطيع تحمل تكلفته.
ويشير النعيمي إلى أن الوعود المتكررة بإعادة تشغيل محطة علوك لم تُترجم حتى الآن إلى واقع ملموس، رغم الحديث المتكرر عن مواعيد قريبة للتشغيل، معبراً عن أمله بأن تنتهي هذه الأزمة التي باتت تستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسر.
“هناك حاجز بيننا وبين الواقع الحالي”
وفي حي النشوة الشرقية بمدينة الحسكة، يقول ياسين الشرموخ إن “معاناة المياه معاناة قديمة، تعود إلى بداية الأزمة”، لكنها لم تعد مجرد مشكلة عابرة بل تحولت إلى عبء يومي ثقيل، في ظل غياب أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء، مضيفاً لنورث برس باللهجة السورية العامية “صرنا غرباء بهاد البلد”.
ويضيف “الشرموخ” أن الماء هو أساس الحياة لكل الاستخدامات اليومية من شرب وغسيل وتبريد وغيرها، إلا أن المياه غير متوفرة بشكل كافٍ، مشيراً إلى أن تأمينها يتطلب نحو 100 دولار شهرياً، بينما تعتمد معظم العائلات على مياه الصهاريج التي لا يعرف مصدرها أو نوعيتها، وهي بحسب قوله “غير صالحة للشرب”، وقد تسببت بمشكلات صحية لدى السكان، خاصة أمراض الكلى والمسالك البولية، مؤكداً أنه شخصياً يعاني من حصيات في الكلى، إلى جانب عدد كبير من الجيران في المنطقة.
ويختم بالإشارة إلى مشهد يومي يعكس حجم الأزمة، حيث يقول، إنه عند المرور في منطقة النشوة الغربية تُرى النساء وهن يحملن البراميل ويصعدن التلال لتأمين المياه، واصفاً ذلك بأنه واقع قاسٍ يجعل السكان يعيشون وكأن هناك حاجزاً يفصلهم عن أبسط مقومات الحياة.