الفرات.. من جفافٍ حاد إلى فيضانٍ مفاجئ ثم انحسارٌ يترك وراءه أزمة مفتوحة
القامشلي ـ نورث برس
يعيش نهر الفرات في سوريا واحدة من أكثر مراحله المائية اضطراباً خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الحديث عنه يقتصر على انخفاض تدريجي في منسوبه، بل بات يرتبط بسلسلة متتابعة من التحولات الحادة بين انخفاضات غير مسبوقة، وارتفاعات مفاجئة، ثم إجراءات تشغيلية أعادت خفض التدفقات تدريجياً، في مشهد مائي معقّد انعكس مباشرة على الزراعة والسكان والبنية الخدمية.
من انخفاض تاريخي إلى أزمة ممتدة
تعود جذور الأزمة، وفق بيانات موثقة سابقة، إلى مرحلة شهد فيها الفرات تراجعاً حاداً في التدفق وصل إلى نحو 200 م³/ث، مع انخفاض في منسوب النهر قُدّر بنحو خمسة أمتار تقريباً.
هذا التراجع ارتبط حينها بتصاعد الحديث عن التزام مائي لم يُطبق بالكامل، مقابل اتفاقات سابقة تعود إلى عام 1987 نصّت على تمرير ما لا يقل عن 500 م³/ث.
ولم يكن هذا الانخفاض مجرد رقم هيدرولوجي، بل تحوّل إلى مؤشر خطر إنساني، مع تقديرات تشير إلى اعتماد أكثر من ثلاثة ملايين شخص في سوريا على مياه الفرات للشرب والري وتوليد الطاقة.
ومع تراجع المنسوب، خرجت مساحات زراعية واسعة من الخدمة، وتوقفت محطات ضخ كانت تعتمد على قرب مجرى النهر، ما خلق فجوة خدمية في مناطق متعددة من دير الزور والرقة.
ارتفاع مفاجئ يعيد رسم المشهد
بعد سنوات من الانخفاض، شهد النهر تحولاً حاداً نحو الارتفاع، وهو ما مثّل نقطة انعطاف في مساره خلال الفترة الأخيرة. ووفق التغطيات المتداولة، ارتبط هذا الارتفاع بأمطار غزيرة في سوريا وتركيا، وذوبان ثلوج في المرتفعات التركية، إلى جانب فتح بوابات مفيض في سد أتاتورك، ما أدى إلى تدفقات غير معتادة وصلت في بعض الفترات إلى أربعة أضعاف الجريان الطبيعي.
وهذا الارتفاع السريع أجبر السلطات السورية على اتخاذ إجراءات عاجلة في إدارة السدود، كان أبرزها فتح بوابات مفيض في سد الفرات لتصريف الفائض المائي وحماية المنشآت المائية من ضغط قد يهدد سلامتها التشغيلية.
ولكن هذا الإجراء، رغم ضرورته الفنية، حمل معه تداعيات مباشرة على الضفاف، إذ بدأت المياه تغمر الأراضي الزراعية والمناطق المنخفضة، لتنتقل الأزمة من “خطر نقص المياه” إلى “خطر الفيضانات المفاجئة”.
سد الفرات في قلب الأزمة التشغيلية
في قلب هذه التحولات يقف سد الفرات كعنصر تنظيمي رئيسي لتدفقات النهر. ففي 25 أيار/مايو 2026، بدأت التحذيرات الرسمية من ارتفاع غير مسبوق في منسوب المياه، ما دفع إلى إجراءات استباقية شملت فتح بوابات مفيض.
وفي 26 أيار، أعلنت وزارة الطاقة فتح أربع بوابات مفيض للمرة الأولى منذ أكثر من 30 عامًا، في خطوة وُصفت بأنها استثنائية، بهدف استيعاب التدفقات التي قُدّرت بنحو 1800 م³/ث. ومع استمرار الضغط المائي، جرى توسيع نطاق التصريف عبر بوابات إضافية لاحقاً.
وهذه الإجراءات، رغم أنها هدفت إلى حماية السد، ساهمت عملياً في تحويل الأزمة نحو المناطق السكنية والزراعية على امتداد النهر.
من الفيضان إلى الأضرار الميدانية
بحلول 28 مايو، كانت آثار الارتفاع قد اتضحت بشكل واسع. تقارير ميدانية تحدثت عن غمر آلاف الدونمات الزراعية في الرقة، وتضرر عشرات المحركات الزراعية، إضافة إلى خروج نحو 50 محطة مياه وكهرباء عن الخدمة في بعض التقديرات.
كما شهدت مناطق مثل معدان والسبخة والكرامة والمنصورة تدفقات مائية غير اعتيادية، أدت إلى إخلاءات جزئية، ووضعت آلاف العائلات في دائرة الخطر المباشر.
وفي هذه المرحلة، تحوّل الفرات من مجرى مائي إلى عامل ضغط إنساني، مع تسجيل أضرار في البنية الزراعية والخدمية، وبدء موجات نزوح مؤقت في بعض المناطق المنخفضة.
بداية الانحسار
في 29 مايو، أعلنت السلطات السورية أن المناطق المحيطة بسد الفرات تجاوزت مرحلة الخطر، بعد إغلاق بوابة المفيض رقم 4 التي كانت تمرر نحو 300 م³/ث، مع خفض تدريجي في كميات المياه المارة عبر السد لتصل إلى نحو 1400 م³/ث.
وفي 1 حزيران/يونيو، جرى إغلاق فتحة مفيض ثانية خلال ثلاثة أيام، ما أدى إلى انحسار المياه عن مساحات واسعة في الرقة ودير الزور، في مؤشر على بدء انتقال النهر من مرحلة الفيضان إلى مرحلة التراجع التدريجي.
لكن هذا الانحسار لم يُنهِ آثار الأزمة، إذ بقيت الأضرار قائمة على الأرض، خاصة في الأراضي الزراعية والمحطات الخدمية.
أزمة مركبة
بحسب التحليل الزمني للأحداث، فإن ما يعيشه الفرات اليوم لا يمكن تصنيفه كأزمة واحدة، بل كأزمة مركبة مرت بثلاث مراحل متداخلة: “مرحلة انخفاض تاريخي طويل الأمد. مرحلة ارتفاع مفاجئ غير مسبوق. مرحلة خفض تشغيلية تدريجية بعد الفيضانات”، بحسب تقارير صحفية.
وهذا التسلسل جعل من النهر حالة ديناميكية متقلبة، تتأثر بعوامل مناخية (أمطار وثلوج)، وتشغيلية (إدارة السدود)، وهيدرولوجية (تدفقات الوارد المائي).
انحسار تدريجي وأضرار مستمرة
في الوقت الراهن، تشير المعطيات إلى أن منسوب الفرات يشهد انخفاضاً تدريجياً بعد إجراءات التشغيل في سد الفرات، لكن آثار المرحلة السابقة لا تزال حاضرة بقوة.
الأراضي الزراعية المتضررة، ومحطات الضخ الخارجة عن الخدمة، والمناطق التي تعرضت للغمر، كلها ما زالت تحتاج إلى تقييم وإعادة تأهيل، في وقت تتواصل فيه عمليات الحصر الميداني للأضرار.