فيضانٌ يبتلع “الذّهب الأصفر” بدير الزور.. مزارعون يواجهون الغرق والخسائر
علي البكيع – دير الزور
لم تكد فرحة المزارع حمد الخليف تكتمل وهو يجمع بِيْدَرَ قَمْحِهِ في عصر يومٍ حار، حتى استيقظ في الصباح التالي ليجد تعب موسمه بالكامل قد غرق تحت مياه نهر الفرات.
في بلدة “الكشكية” بريف دير الزور الشرقي، تحوّلت ضفاف النهر التي كانت تضجّ بحركة الحصاد إلى مساحاتٍ شاسعة من المياه التي ابتلعت الأخضر واليابس، إثر فتح بوابات المفيض في السد وتدفق المياه دفعة واحدة دون إنذارٍ مسبق.
يقول “الخليف” لنورث برس بنبرةٍ يملؤها العجز وهو ينظر إلى أرضه: “حصدتُ أرضي وجمعتُ البيدر بارحة العصر، واليوم صباحاً نزل الماء عليه ولم أستطع نقله. المحصول يمتد على مساحة سبع دونمات، ولا أملك وسيلة نقل لإنقاذه. الآن، كل ما يمكنني فعله هو الانتظار على أمل أن تجف المياه لأستطيع نقل ما تبقى منه، رغم أن التلف يهدده بالكامل”.
أرقامٌ غارقة وكلفة باهظة
قصة “حمد” ليست سوى عينة من كارثةٍ أوسع ضربت المنطقة؛ إذ تُقدّر المساحات الزراعية المتضررة بالكامل في منطقة “الكشكية” وحدها بحوالي 1500 دونم. كارثةٌ جاءت بعد أشهرٍ من الشقاء والكلف المادية المرتفعة التي تكبّدها الفلاحون لتأمين المحصول في ظل أزمات المحروقات المستمرة.
ويضيف “الخليف”: “لقد خسرنا محصولاً من تعبنا ومجهودنا، وبلغت خسائرنا الشخصية حوالي 1500 دولار. السقاية كانت تتطلب توفراً دائماً للمياه، وهذا بدوره يحتاج إلى كميات كبيرة من المازوت لتشغيل المولدات. تكبّدنا عناءً كبيراً حتى حصدنا المحصول، والآن ذهب تعبنا في الماء. نطالب الجهات المعنية بالتعويض العاجل للفلاحين والعمال عن هذه الخسائر”.
لم تتوقف الأضرار عند المحاصيل؛ فالفيضان الذي فاجأ المنطقة غمر المداجن، وحاصر الآليات والدرّاسات الزراعية التي كانت تستعد لموسم الحصاد، مما جعل إخراجها مستحيلاً مع ارتفاع منسوب المياه المتسارع.
وفي الجانب الآخر من البلدة، يبدو المشهد أكثر مأساوية؛ حيث امتدت المياه لتجتاح المنازل المتاخمة لسرير النهر، ما أجبر عائلاتٍ على النزوح والتهجير.
يرى خالد العبدالله، وهو من سكان الكشكية، أن ما حدث كان يمكن تلافيه لو وجد التخطيط السليم والتنسيق الفني. ويقول لنورث برس: “نعتب على المسؤولين قليلاً؛ فبدل فتح السد دفعة واحدة وغمر المنطقة، كان المفروض أن يكون هناك تنسيق مسبق (مع تركيا)، وبدل فتح خمس أو ست عنفات، كان من الأجدى فتح عنفتين فقط ليكون التدفق تدريجياً وبما يضمن مبدأ لا ضرر ولا ضرار”.
ويتابع “العبدالله” لنورث برس مطالباً بخطواتٍ إسعافية: “نتمنى التفاتة جادة من الجهات المعنية لأهالي منطقة الشعيطات ومحافظة دير الزور عامةً، لإجراء إحصاء دقيق للمتضررين والذين هُجّروا من منازلهم بهدف تقديم تعويضات عاجلة. دير الزور تحتوي على خيرات كثيرة من نفط وغيره، ولا يجوز تهميشها، وعلى المسؤولين أن يكونوا أشد حرصاً وأكثر جدارة في التعامل مع هذه الملفات الحساسة”.
ومع استمرار تدفق المياه وغياب الحلول السريعة، يزداد السخط الشعبي في المنطقة نتيجة غياب فرق الإنقاذ أو اللجان التقييمية التابعة للإدارة المحلية والجهات المعنية لمعاينة حجم الكارثة على الأرض.
يختصر أحمد العلي، من بلدة الكشكية، واقع الحال بكلماتٍ قاسية تصف حجم الإحباط: “بالنسبة لمنطقة الشعيطات، الوضع مزري جداً ومأساوي؛ الأهالي تشردت، المشاريع خسرت، المياه غمرت كافة الأراضي الزراعية والمنازل والمداجن. نطالب المسؤولين والجهات المعنية بأن يأتوا ليروا الوضع ويقيموه”.
ويتساءل “العلي” بحرقة في ختام حديثه لنورث برس: “لماذا لا أحد يفكر فينا ولا يوجد من ينظر إلى الناس؟ ماذا نفعل؟ هل نذهب إلى العراق؟ طفح الكيل ولم يتبقَ لنا شيء؛ لا بيوت ولا أراضي ولا مزارع. لماذا هذا الصمت والسكوت عن هذه المنطقة؟”.