أرجوحة تتأخر عن السقوط.. ذاكرة العيد في الدرباسية بريف الحسكة

أفين علو

من فوق سطح منزلها في الطابق الثالث، كانت خالصة، ذات الأربعة والخمسين عاماً، تراقب الأطفال وهم يتناوبون على المرجوحة الحديدية تحت أشجار الزيتون. لم تعد قادرة على النزول كثيراً إلى الشارع بسبب المرض، لكنها تعرف المشهد جيداً؛ صراخ الصغار، الضحكات المتداخلة، وصوت الحديد القديم وهو يتحرك ببطء، كأنه يتأخر قليلاً عن السقوط.

في الأسفل، كانت ألعاب والدها الراحل “شيخ ورهان” تدور من جديد، كما تفعل كل عيد منذ أكثر من أربعة عقود.

في الدرباسية بريف الحسكة لا يحتاج العيد إلى مدن ملاهٍ ضخمة كي يصل، يكفي أن تظهر “السفينة” المعدنية والمرجوحة القديمة في الشارع، حتى يفهم الأهالي أن أيام العيد بدأت.

هناك، صار اسم “شيخ ورهان” جزءاً من ذاكرة المدينة نفسها، ثلاثة أجيال كبرت وهي تنتظر دورها على هذه الألعاب البسيطة، فيما يقف الجيل الرابع اليوم في الطابور ذاته، باللهفة نفسها تقريباً، وبالعيون الواسعة ذاتها التي حملها آباؤهم وأمهاتهم قبل سنوات طويلة.

قبل العيد بأيام، كان شيخ ورهان يخرج إلى الشارع ويثبت ألعابه الصغيرة، تاركاً إياها حتى تنتهي أيام العيد، لم تكن ألعاباً حديثة أو لامعة، بل مجرد مرجوحة وسفينة صنعهما بنفسه من الحديد الزائد في المنزل، لكنه كان يرى فيهما شيئاً أكبر من لعبة عابرة.

كان يقول، بحسب ما يروي مقربون منه قبل وفاته، إن هدفه “إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال”، خصوصاً في مدينة صغيرة لم تكن تعرف الحدائق العامة أو وسائل الترفيه الحديثة آنذاك. وصنع ألعاباً تشبه الدرباسية نفسها؛ متعبة، قديمة قليلاً، لكنها لا تموت.

وكانت السفينة المعدنية تطلق صريراً خافتاً كلما اندفعت إلى الأمام، فيما يقف الأطفال تحت أشجار الزيتون بانتظار دورهم، يراقبون اللعبة بعيون متحمسة، كأنهم أمام مدينة ملاهٍ كاملة.

يقول والد الطفلة نور (10 أعوام) لنورث برس: “ألعاب شيخ ورهان أصبحت بالنسبة إلنا هوية للعيد، أولادنا لما يجوا لهون يعيشوا أجواء مختلفة، ويحسوا بفرحة بسيطة وحقيقية”.

أما سمية صديق (35 عاماً)، فتقول لنورث برس إن رؤية الألعاب كل عيد تعيدها مباشرة إلى طفولتها: “كنا نفرح بوجودها أكثر من فرحتنا بسكاكر العيد نفسها، واليوم لما بشوف الأطفال يلعبوا هون، بحس إنو لساتنا قادرين نحافظ على جمال البساطة”.

وتضيف: “الأطفال اليوم عندهم تلفونات وألعاب إلكترونية وأساليب ترفيه كثيرة، لكن وجود هالألعاب القديمة بمنطقة صغيرة مثل الدرباسية ما يزال يجمع الناس حول فرحة واحدة”.

وبعد وفاة شيخ ورهان، خاف كثيرون أن تختفي الألعاب معه، وأن يتحول المكان إلى ذكرى أخرى من أعياد المدينة القديمة، لكن خالصة رفضت أن تنتهي الحكاية، فمنذ سنوات، تتولى وحدها إخراج الألعاب إلى الشارع كل عيد، محافظة على الطقس نفسه الذي اعتاده الأهالي منذ عام 1984، الأطفال ما يزالون يدفعون مبلغاً رمزياً، ليس بهدف الربح، بل حتى يلتزم كل طفل بدوره ووقته المحدد في اللعب.

تقول خالصة لنورث برس: “ما بدي سكر الصفحة اللي فتحها أبوي لرسم البسمة على وجوه الأطفال”.

ورغم حالتها الصحية الصعبة، تتابع كل شيء من شرفة السطح أو من خلف النافذة، ترى الأطفال يركضون حول الألعاب، وتراقب الأمهات وهنّ يلتقطن الصور، كأنها تشاهد حياة كاملة ما تزال تدور في المكان نفسه منذ أربعين عاماً.

تقول بهدوء: “الألعاب تخرب كثير، وكل فترة تحتاج تصليح، أكيد لازم تتغير وتتطور، لكن وضعي المادي ما بيسمح، وما حدا قدم مساعدة لنجيب ألعاب جديدة”.

لهذا، تواصل إصلاح القطع القديمة بنفسها، محافظة على الألوان ذاتها تقريباً، وعلى روح المكان كما تركها والدها.

في زمن تغيّرت فيه الأعياد، وصارت الشاشات تسرق الأطفال من الشوارع، ما تزال ألعاب “شيخ ورهان” تقاوم الغياب بصوت الحديد العتيق وضحكات الصغار، ربما لا تستطيع هذه الألعاب منافسة مدن الملاهي الحديثة، لكنها ما تزال تنجح في شيء أكثر صعوبة؛ أن تعيد للعيد روحه الأولى.

وبينما تدور المرجوحة القديمة كل عام وسط أشجار الزيتون، يبدو أن شيخ ورهان لم يرحل تماماً بعد.

تحرير: تيسير محمد