الجنوب السوري بين التوغلات الإسرائيلية والتفاهمات الأمنية المحتملة

مالين محمد – غرفة الأخبار

شهد الجنوب السوري خلال الفترة الأخيرة تصاعداً في وتيرة التوغلات الإسرائيلية، ترافقت مع عمليات قصف استهدفت مناطق متفرقة، إضافة إلى اعتقالات طالت سكاناً في المنطقة، ما يثير تساؤلات حول خلفيات هذه التحركات، في ظل حديث متزايد عن اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب بوساطة أميركية.

وبالتزامن مع تصريحات حديثة لمسؤولين سوريين رفيعي المستوى، تداولت وسائل إعلام تسريبات بشأن بنود اتفاق أمني سوري – إسرائيلي، تضمنت ملفات حساسة، من بينها تقاسم السيطرة على جبل الشيخ، ومستقبل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء.

لكن الإعلان عن الاتفاق الأمني “الوشيك” تأجل لأسباب فنية، من بينها تغيير رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض، وفقاً لما قاله مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد.

ومنتصف الشهر الفائت، قال الأحمد، في تصريح لقناة “المملكة الأردنية”، إنه “تم التواصل منذ فترة بشأن مسودة اتفاق مع الإسرائيليين، لكن حدثت مشكلة فنية لديهم تمثلت باستبدال رئيس الفريق المفاوض”.

في المقابل، أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، خلال تصريحات أدلى بها من بروكسل، على هامش منتدى تنسيق الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، أن “سوريا خاضت مفاوضات بوساطة أميركية مع إسرائيل، لكنها لم تصل إلى نتائج ملموسة بعد”.

وأشار الشيباني إلى أن “هدفهم الوصول إلى علاقة مستقرة وهادئة مع إسرائيل”، مضيفاً: “لأننا نريد أن نركز على إعادة الإعمار وتهيئة بيئة آمنة لعودة السوريين”.

ورقة ضغط إسرائيلية

يقول الباحث في الشؤون السورية، محسن عوض الله، إن التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري “لا يمكن النظر إليها كحدث معزول، بل كجزء من مشهد إقليمي أكبر يُعاد ترتيبه على نار مفتوحة، من غزة إلى لبنان، ومن طهران إلى دمشق”.

وأضاف عوض الله لنورث برس، أن “إسرائيل تتحرك لفرض واقع جديد، وتستغل حالة السيولة الإقليمية لتعزيز نفوذها وتوسيع حدودها، وفق ما تسميه إدارة التهديد قبل تشكّله، أي إنها لا تتعامل مع الخطر عندما يقع، بل عندما تظن أنه قد يقع”.

وأشار إلى أن إسرائيل “تستخدم هذه التحركات كورقة ضغط في المفاوضات السياسية مع دمشق”، موضحاً أنها “فرضت واقعاً أمنياً وعسكرياً، وسيطرت على مساحة واسعة من الجنوب السوري منذ سقوط النظام البعثي”.

العلاقة السورية الإسرائيلية

وحول العلاقات السورية الإسرائيلية، قال عوض الله إن دمشق، بقيادة أحمد الشرع، تتعامل ببراغماتية مع ملف العلاقات مع تل أبيب.

وأضاف أن “كلا الطرفين في حاجة إلى الآخر بدرجات متفاوتة؛ فإسرائيل، وفق روايتها، تريد حدوداً هادئة وتقليص أي تهديد قريب من الجولان، بينما تسعى سوريا إلى وقف الضربات المتكررة واستعادة قدر من الاستقرار يسمح لها بالتفرغ لملفات الداخل”.

ويرى الباحث أن المفاوضات السورية الإسرائيلية لن تقود إلى “سلام تاريخي”، على غرار اتفاقية كامب ديفيد بين القاهرة وتل أبيب، أو وادي عربة بين إسرائيل والأردن.

وأضاف: “هناك ملفات معقدة بين تل أبيب ودمشق، وفي مقدمتها مستقبل الجولان. أعتقد أن الأقرب خلال الفترة المقبلة هو تفاهمات أمنية تدريجية، تقوم على ضبط الإيقاع الأمني ومنع التصعيد، أكثر من الذهاب إلى تطبيع كامل أو سلام نهائي”.

تسريبات حول الاتفاق

وكانت وسائل إعلام عربية قد نشرت تسريبات لبنود قالت إنها جزء من اتفاقية محتملة بين سوريا وإسرائيل، تضمنت انسحاب إسرائيل من بعض النقاط التي تسيطر عليها في الجنوب السوري، إلى جانب ترتيبات أمنية جديدة في القنيطرة ودرعا، وتقليص الوجود العسكري السوري فيهما.

كما تناولت التسريبات وضع محافظة السويداء، مشيرة إلى احتمال منحها إدارة محلية، مع دمج تشكيلات عسكرية فيها ضمن فرقة خاصة في الجيش السوري.

وقال عوض الله إن هذه التسريبات قد تكون جزءاً من اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية.

وأضاف: “أعتقد أن ما ورد في هذه التسريبات قد يكون مسودة أولية لهذا الاتفاق المحتمل، وربما تتغير بعض التفاصيل خلال المفاوضات وفق حجم الضغوط الأميركية”.

تحرير: تيسير محمد