جدل “الوطنية” و”الرسمية”.. مطالب كردية بضمانات دستورية للغتهم الأم في سوريا
غرفة الأخبار – نورث برس
يعد 15 أيار عيداً للغة الكردية، وهو يوم صدور مجلة “هاوار” عام 1932 في العاصمة السورية دمشق، على يد الأمير والمفكر الكردي جلادت بدرخان، وهي أول مجلة كردية تصدر بالأحرف اللاتينية، وفي هذا اليوم من كل عام يحتفل الشعب الكردي بيوم اللغة الكردية، في مناسبة تعكس عمق الارتباط بين اللغة والهوية الثقافية والقومية، وتسلط الضوء على الجهود المستمرة للحفاظ على اللغة وتطوير حضورها في مختلف المجالات.
وحول وضع اللغة الكردية في سوريا، خصوصاً في ظل الجدل الدائر حول توصيفها في المرسوم /13/ الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/ يناير الماضي، تتجدد النقاشات بين كونها “لغة وطنية” أو لغة تستحق الاعتراف الرسمي والدستوري الكامل، وما يرافق ذلك من تباينات في القراءة السياسية والقانونية لهذا الملف.
اللغة الوطنية واللغة الرسمية
يرى وليد جولي، وهو باحث كردي في مركز الفرات للدراسات بالقامشلي شمالي سوريا، أن مسألة التمييز بين اللغتين الوطنية والرسمية في السياق الدولي مسألة قانونية وسياسية عميقة، وهي مرتبطة بالدرجة الأولى بطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف العرقية الأخرى.
ويضيف جولي في تصريح لنورث برس، أنه “من الصعب الإتيان بأمثلة دولية دقيقة ومقارنتها بالحالة السورية التي تشكل فيها المسألة الكردية أكثر القضايا تعقيداً، لاسيما في ظل الظروف السياسية الراهنة التي يغلب عليها طابع الاحتقان والتوتر، على خلفية التطورات العسكرية الأخيرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية”.
ويقول جولي إن الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية “يعني أن هذه اللغة جزء من هوية البلاد، أما الاعتراف الرسمي فيعني أن هذه اللغة جزء من بنية الدولة، والهدف الكردي يجمع بين كلا التعريفين، أي أن يكون الكرد جزءاً أساسياً من هوية البلاد وبنية الدولة”.
ويشير الباحث في مركز الفرات للدراسات إلى أن المرسوم 13 الذي أصدره الرئيس السوري، وتوصيفه للغة الكردية على أنها لغة “وطنية”، وعلى الرغم من أن هذا التوصيف يمكن اعتباره اعترافاً بالوجود القومي الكردي وإعطاءه الشرعية اللغوية وربطها بالمجال الوطني السوري، فإنه “يحتاج إلى تثبيته دستورياً لتحقيق الازدواجية اللغوية في المناطق الكردية بشكل رسمي، لتكون معتمدة كلغة ثانية في مؤسسات الدولة”.
ضبابية في المقاربة للقضية الكردية
يقول الباحث في مركز الفرات للدراسات، إن “حساسية المرسوم 13 بالنسبة للكرد لا تأتي فقط من الفرق بين المصطلحات، بل تأتي من عامل رئيسي، وهو ضبابية الحكومة في مقاربتها للقضية الكردية بشكل عام، وهذا يتجلى في عملية تسيير المرحلة الانتقالية، لاسيما فيما يتعلق بمسألة الشراكة الحقيقية”.
ويضيف: “من خلال متابعة مجريات التفاوض على بنود اتفاقية 10 آذار وما تلتها من اتفاقيات، لم تتطرق دمشق بأي شكل من الأشكال إلى الحقوق الكردية من النواحي السياسية والقانونية والدستورية، وظلت متمسكة بإعطاء توصيفات اجتماعية وثقافية بدل الوصف السياسي، وأعتقد بالإمكان اعتبار الإعلان الدستوري مثالاً واضحاً على ذلك”.
ويرى أنه “من الصعب الوصول إلى قناعة تامة بأن المرسوم 13 بإمكانه أن يشكل أرضية سياسية وقانونية مناسبة، ما لم يتم العمل بأقل تقدير على إعادة النظر في الإعلان الدستوري، ليكون منسجماً مع مفهوم التعددية القومية في سوريا، لأن التحدي الأكبر أمام القضية الكردية تاريخياً في سوريا كان الإنكار السياسي والقانوني لوجود الكرد أصلاً”.
ويقول جولي: “حين تدخل اللغة الكردية إلى نص قانوني رسمي بوصفها لغة وطنية، فهذا يعني أن الدولة اعترفت بوجود قومي مختلف، واعترفت بشرعية لغته وربطت هذه اللغة بالمجال الوطني السوري بشكل رسمي. وعلى ضوء ذلك، فإن تقييم المرسوم يجب أن يكون بعيداً عن منطق الانتصار التاريخي، لأن اللغة الرسمية والشراكة الدستورية ما تزالان غير محسومتين”، وفق تعبيره.
“تلاعب سياسي”
يقول عبد الله شيخو، وهو مترجم وناشر كردي، لنورث برس، إن تعبير “اللغة الوطنية” يعد تلاعباً سياسياً “فظّاً” بالمصطلحات بهدف التهرب من إحقاق الحقوق الطبيعية لأي شعب.
ويرى شيخو أن المرسوم /13/ الذي أصدره الرئيس السوري يحمل بنوداً تتعارض مع بعضها البعض.
ويبين أن المادة الأولى تنص على اعتبار الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وتؤكد أن الهوية الثقافية واللغوية الكردية “جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة”.
إلا أن المادة الثالثة، وفق ما يوضحه شيخو، تصف اللغة الكردية بأنها “لغة وطنية” يسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي، وهو ما يعتبره “انتقاصاً من مكانتها”.
ويشير المترجم والناشر الكردي إلى أن التعليمات التنفيذية الخاصة بالمرسوم أفرغته من مضمونه، بعد أن حصرت تعليم اللغة الكردية بحصتين أسبوعياً ضمن درس اختياري غير مرسب ولا يدخل ضمن المجموع العام.
تناقض مع اللغات الأخرى
ويعتبر شيخو أن هذه التوجيهات تمثل “قلة احترام للشعب الكردي ولغته”، خصوصاً أن اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية تدرس كمقررات إجبارية تدخل في التقييم العام للنظام التعليمي السوري، متسائلاً عن كيفية تفضيل لغات أجنبية على لغة وطنية.
ويقول: “التطبيق العملي يكشف عن استمرار النظرة الفوقية تجاه الكرد من قبل السلطة الانتقالية في سوريا”، مؤكداً أن التعددية ضمن الهوية الوطنية السورية، كما وردت في المرسوم، تفرض المساواة الكاملة، وهذه المساواة تستوجب الاعتراف الدستوري بجميع اللغات التي تتحدث بها مكونات الشعب السوري كلغات رسمية كاملة الحقوق.
ويرى أن اللغة الكردية ليست نشاطاً ثقافياً هامشياً أو اختيارياً بالنسبة للكرد، بل تمثل جوهر هويتهم ووجودهم، ولذلك فإن من حقهم التعلم والتعليم بها بشكل رسمي ودستوري بدءاً من المرحلة الابتدائية وحتى التعليم الجامعي، إضافة إلى استخدامها ضمن مؤسسات الدولة كافة، على أن يتم ذلك برعاية ودعم وتمويل من الدولة.
ويوضح شيخو أن الدروس الاختيارية ينبغي أن تكون مخصصة للغات الأجنبية أو للغات التي يتحدث بها اللاجئون، بينما يجب أن تكون لغات الشعوب الأصلية المعترف بها كجزء أصيل من الدولة لغات رسمية معترفاً بها دستورياً. ويشير إلى أن اعتبار لغة ما “لغة وطنية” مقابل لغة أخرى يعكس وجود تمييز بين المواطنين، معتبراً أن المساواة تمثل جوهر المواطنة وأساسها، وأنه لا يمكن الحديث عن مواطنة حقيقية في ظل المفاضلة بين المواطنين على أساس هوياتهم ولغاتهم، وفق تعبيره.
من المرسوم إلى الدستور
ويرى الناشر الكردي عبدالله شيخو أن سوريا تحتاج سياسياً واجتماعياً وثقافياً إلى مساواة كاملة دون تمييز، معتبراً أن المرسوم /13/ “يحمل طابعاً تمييزياً رغم محاولته الظهور بمظهر المساواة والمواطنة”.
ويشدد عبد الله شيخو على أن اللغات الكردية والسريانية والتركمانية، بوصفها لغات يتحدث بها سوريون من غير العرب، يجب الاعتراف بها كلغات دستورية كاملة الحقوق.
ويرى أنه يمكن اعتبار هذا المرسوم بادرة مقبولة يجب أن يُبنى عليها دستورياً، مضيفاً: “المرسوم صدر في سياق صراع عسكري بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، وكان له أسباب سياسية ضيقة، ويبدو أنه صدر بتوجيهات أو لنقل توصيات تركية، لأن حدود المرسوم تشبه إلى حدٍّ ما ما تعترف به تركيا لمواطنيها الكرد، ولذلك يمكن البناء على هذا المرسوم للانطلاق نحو الاعتراف الدستوري الحقيقي بالشعب الكردي وبلغته بشكل يضمن المساواة الكاملة مع ما يتمتع به المواطنون العرب السوريون من حقوق دستورية”.