عام على مؤتمر وحدة الصف الكردي بسوريا.. وثيقة سياسية دون مسار تفاوضي واضح
القامشلي – نورث برس
بعد مرور عام على انعقاد مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي” في سوريا، تبدو مخرجاته أقرب إلى إطار سياسي نظري منها إلى مشروع قابل للتطبيق، في ظل تعثر الخطوات التنفيذية وغياب أي تقدم ملموس في مسار التفاوض مع دمشق، رغم ما حمله المؤتمر من آمال واسعة بإعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة السورية.
وفد المؤتمر لم يلتقِ الدولة السورية
المؤتمر الذي جمع للمرة الأولى طيفاً واسعاً من القوى والأحزاب الكردية، وخرج بوثيقة سياسية موحدة وقرار تشكيل وفد تفاوضي مشترك، كان يُنظر إليه كبداية لتحول نوعي في المشهد الكردي، خاصة بعد سنوات من الانقسام السياسي والتباين في المواقف تجاه دمشق والتحالفات الإقليمية.
إلا أن هذا الزخم لم يترجم عملياً، إذ لم يتمكن الوفد من القيام بدوره، ولم تُفتح قنوات تفاوض رسمية جدية مع الحكومة السورية، التي لم تستقبل حتى الآن أي وفد كردي موحد، ما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين.
وخلال هذا العام، برزت عدة عوامل أسهمت في إبطاء تنفيذ مخرجات المؤتمر، في مقدمتها طبيعة العلاقة المعقدة مع دمشق، التي تعاملت بحذر مع الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر، لا سيما ما يتعلق بمطالب الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية، واللامركزية السياسية، وتوحيد المناطق ذات الغالبية الكردية ضمن إدارة واحدة.
هذه الطروحات، رغم أنها شكلت أرضية توافق كردي داخلي، إلا أنها اصطدمت بسقف الدولة السورية التي ما تزال تميل إلى نموذج مركزي في إدارة البلاد، وتتعامل مع أي مطالب ذات طابع قومي أو إداري خاص بحساسية سياسية وأمنية.
غياب الخطاب الكردي الموحد
في المقابل، لم يتمكن المؤتمر من فرض خطاب سياسي كردي موحد في المحطات المفصلية، خصوصاً خلال الهجمات التي تعرضت لها مناطق شمال شرقي سوريا مؤخراً، حيث عادت التباينات بين القوى الكردية إلى الواجهة، سواء في توصيف الأحداث أو في آليات التعامل معها، ما أضعف من صورة “وحدة الصف” التي حاول المؤتمر ترسيخها.
ويشير متابعون إلى أن غياب بنية تنظيمية واضحة لإدارة مخرجات المؤتمر، وعدم تحويله إلى مرجعية سياسية ملزمة، ساهما في إبقاء التوافق ضمن الإطار الرمزي أكثر منه العملي.
مرسوم رئاسي حول الحقوق الكردية
مثّل المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع حول “الحقوق الكردية” اختباراً لمخرجات المؤتمر، إلا أن مضمونه لم يصل إلى مستوى الوثيقة الكردية، إذ اقتصر على إشارات عامة تتعلق بالحقوق الثقافية والخدمية، دون أن يتطرق بشكل واضح إلى الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية أو إلى صيغة سياسية تضمن شراكة حقيقية في الحكم.
وبذلك، يمكن اعتبار المرسوم خطوة أولية في مسار الانفتاح، لكنه لا يشكل حتى الآن أرضية كافية لبناء تسوية سياسية شاملة.
في السياق ذاته، لا يمكن فصل تعثر مسار “وحدة الصف الكردي” عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث باتت سوريا محطة هامة ضمن التغيرات الجيوسياسية بالمنطقة، ما عزز من تمسك دمشق بسيادة مركزية قوية، وأعاد ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين باتجاه الاستقرار الأمني قبل معالجة الملفات السياسية المعقدة، ومنها القضية الكردية.
بعد عام على المؤتمر، تبدو الحصيلة مزيجاً من الإنجاز والتعثر، فقد نجحت القوى الكردية في إنتاج وثيقة سياسية مشتركة وتخفيف حدة الانقسام التقليدي، لكنها أخفقت في تحويل هذا التوافق إلى قوة سياسية ضاغطة أو مسار تفاوضي فعلي.
وبينما لا يزال المؤتمر يمثل مرجعية سياسية مهمة من حيث المبدأ، فإن استمراره كإطار مؤثر يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف الكردية على إعادة تفعيل مخرجاته، وتوحيد خطابها في القضايا المفصلية، بالتوازي مع وجود إرادة سياسية لدى دمشق للانخراط في حوار جدي يفضي إلى حلول دستورية واضحة تضمن حقوق الكرد ضمن الدولة السورية.