شرايين العالم تحت التهديد.. ماذا يعني التوتر الدولي في هرمز وباب المندب؟

لامار أركندي – نورث برس

في ظل هدنة توصف بـ “الهشة” بين الولايات المتحدة وإيران، تبقى احتمالات الانزلاق نحو التصعيد قائمة في أي لحظة، وسط مشهد إقليمي معقد تتداخل فيه الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وتتصاعد المخاوف الدولية مع استمرار التوتر في محيط الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيقا هرمز وباب المندب، اللذان يمثلان شريانين حيويين لحركة الطاقة والتجارة العالمية، ولا سيما تدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج نحو الأسواق في آسيا وأوروبا وأفريقيا. ويُحذر مراقبون من أن أي اضطراب فيهما قد ينعكس بشكل مباشر وسريع على أسواق النفط وخطوط الإمداد العالمية.

وتوجهت الأنظار مؤخراً إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي استضافت محادثات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، في محاولة لدفع مسار التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التوتر المتصاعد في المنطقة.

ورغم ذلك، لا تزال حالة القلق الدولي قائمة، في ظل مراقبة حثيثة لحركة الملاحة في المضيقين، وسط مخاوف من أن يؤدي انهيار الهدنة إلى تعطيل إمدادات النفط والتجارة العالمية، ورفع تكاليف النقل والتأمين البحري بشكل كبير.

مضيقان حاكمان لحركة الطاقة العالمية

يُعد مضيق هرمز من أكثر النقاط البحرية حساسية في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط الخام والمشتقات النفطية تُقدَّر بنحو 20 إلى 22 مليون برميل يومياً، وفق وكالة الطاقة الدولية، ما يجعله منفذاً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة الطاقة العالمية.

أما مضيق باب المندب، فيمثل حلقة وصل استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويُعد ممراً أساسياً لحركة سفن الشحن التي تربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس، ما يمنحه أهمية كبيرة في حركة التجارة العالمية وتدفقات البضائع.

وفي هذا السياق، يقول خبير الطاقة نايف مهدي، إن أي اضطراب في هذه الممرات، حتى وإن كان محدوداً أو مؤقتاً، ينعكس مباشرة على أسواق النفط العالمية.

وأضاف لنورث برس أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع توقف الإمدادات، بل أيضاً مع التوقعات المستقبلية للمخاطر، مشيراً إلى أن “ارتفاع احتمالات التوتر في ممرات مثل هرمز، والتي تنعكس بدورها على باب المندب، كفيل برفع الأسعار ودفع المستثمرين إلى سياسات تحوط فورية”.

الممرات البحرية في دائرة المخاطر

وفي السياق ذاته، ذكرت مجلة “تايم” الأميركية في تقرير حديث أن التوترات في الشرق الأوسط لم تعد محصورة في مضيق هرمز، بل امتدت إلى ممرات بحرية أخرى، وعلى رأسها باب المندب.

وأضافت المجلة أن المنطقة تشهد حالة من “الهدوء الحذر” بعد فترة من التصعيد، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، بل انتقالها إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على الردع غير المباشر وتهديد خطوط الملاحة الحيوية.

وأشارت إلى أن إيران، وفق تحليلات سياسية وأمنية، لم تعد تركز فقط على مضيق هرمز كأداة ضغط، بل تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها عبر حلفائها في المنطقة، ما يضع باب المندب ضمن دائرة التهديدات المحتملة.

وفي تعليق لنورث برس، قال الخبير النفطي فائق سعيد إن “تصاعد الحديث عن باب المندب يعكس تحولاً في معادلة الردع الإقليمي، حيث أصبحت الممرات البحرية أوراق ضغط في الصراع غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة”.

وأضاف أن طهران “لا تتحرك بشكل مباشر بالضرورة، لكنها تعتمد على شبكة نفوذ إقليمي تتيح لها التأثير على نقاط اختناق استراتيجية”، محذراً من أن هذا النمط من التهديدات يرفع منسوب القلق في أسواق الطاقة.

وأكد سعيد أن مضيقي هرمز وباب المندب يخضعان لرقابة دولية مكثفة من قبل القوى البحرية الكبرى، نظراً لأهميتهما في حركة التجارة العالمية، لافتاً إلى أن أي اضطراب فيهما، حتى وإن كان محدوداً، قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية تتجاوز المنطقة.

ووصف المرحلة الحالية بأنها “هدنة هشة” أكثر من كونها استقراراً فعلياً، مشيراً إلى أن احتمالات التصعيد تبقى قائمة في حال فشل المسارات الدبلوماسية.

تأثير التوترات على الملاحة دون مواجهة مباشرة

وتشير تقارير اقتصادية تعتمد على بيانات تتبع الملاحة البحرية إلى أن حركة السفن عبر مضيق هرمز شهدت تذبذباً ملحوظاً خلال فترات التوتر الأخيرة، دون أن يصل الأمر إلى توقف فعلي للملاحة.

وفي هذا الإطار، قال خبير شؤون الملاحة البحرية عابد النميري لنورث برس إن شركات الشحن “لا تغيّر مساراتها أو تؤجل رحلاتها إلا عند ارتفاع مستوى المخاطر بشكل ملموس”، مضيفاً أن مجرد تصاعد التوتر يدفعها إلى إعادة تقييم خطوط الإبحار والتأمين.

وأوضح أن هذا السلوك يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، ما ينعكس بدوره على أسعار الطاقة والسلع عالمياً نتيجة زيادة كلفة النقل.

أمن الممرات وتداعيات أسعار النفط

من جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية سمير غالب إن حماية الممرات البحرية لم تعد تعتمد فقط على الوجود العسكري، بل تشمل منظومات متكاملة من الرصد الإلكتروني وتبادل المعلومات الاستخباراتية وأنظمة الإنذار المبكر.

وأضاف أن هذا التنسيق الدولي يهدف إلى منع أي حوادث قد تعطل التجارة العالمية، خاصة في ظل حساسية المنطقة لأي تطور عسكري مفاجئ.

بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي سير رؤوف أن أسواق الطاقة تتفاعل مع التوقعات بقدر تفاعلها مع الأحداث، مشيراً إلى أن أي مؤشرات على احتمال تعطل الملاحة تدفع الأسعار إلى الارتفاع الفوري نتيجة عمليات التحوط.

وأكد أن هذا يعكس الترابط الوثيق بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة، حيث أصبحت الأخبار عاملاً مؤثراً لا يقل أهمية عن الإنتاج الفعلي.

بدائل لتقليل الاعتماد على المضائق

في ظل استمرار التوتر الجيوسياسي، تتزايد الدعوات لتطوير بدائل استراتيجية تقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.

ويشير خبراء إلى أن أبرز هذه البدائل تشمل توسيع شبكات خطوط الأنابيب العابرة للحدود، وتعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي، إضافة إلى تطوير شبكات النقل البري والسككي، رغم ما تتطلبه من استثمارات كبيرة وبنى تحتية معقدة.

في المحصلة، لا يمثل مضيقا هرمز وباب المندب مجرد ممرات بحرية، بل عنصرين حاسمين في استقرار الاقتصاد العالمي. ومع استمرار التوترات، تبقى الأسواق في حالة ترقب دائم لأي تطور قد يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة في العالم.

تحرير: تيسير محمد