هل يفتح تراجع الدور الأميركي وتصاعد المواجهة مع إيران الباب لعودة “داعش” في سوريا؟

لامار أركندي – نورث برس

مع انسحاب القوات الأميركية من معظم قواعدها العسكرية في شمال وشرق سوريا، ودخول الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر توتراً، عاد ملف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى دائرة النقاش الأمني مجدداً.

 فالتنظيم الذي خسر سيطرته الجغرافية في سوريا عام 2019 لم يختفِ تماماً، بل حافظ على حضور محدود عبر خلايا سرية تنشط في مناطق البادية السورية وبعض المناطق الريفية شرق الفرات.

اليوم ومع تغير خريطة الانتشار العسكري في المنطقة يحذر باحثون ومراكز دراسات دولية من أن أي فراغ أمني أو تراجع في مستوى التنسيق العسكري الدولي قد يمنح التنظيم فرصة لإعادة تنشيط شبكاته.

وبينما تتجه أنظار القوى الدولية نحو ملفات إقليمية أخرى يطرح خبراء في مكافحة الإرهاب تساؤلاً أساسياً: هل يمكن أن تفتح هذه التحولات الباب أمام مرحلة جديدة من نشاط التنظيم في سوريا؟

ماذا يعني التراجع الأميركي في شمال شرقي سوريا؟

شكل الوجود العسكري الأميركي خلال السنوات الماضية أحد الأعمدة الرئيسية في منظومة مكافحة تنظيم “داعش” في شمال شرقي سوريا، من خلال االدعم العسكري والاستخباراتي الذي قدمته واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى العمليات الخاصة التي استهدفت قيادات التنظيم.

لكن الانسحاب الأميركي من عدد من القواعد العسكرية في المنطقة أثار تساؤلات حول مستقبل الترتيبات الأمنية خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي في شرق سوريا.

وفي هذا السياق، حذر تحليل نشره “معهد دراسة الحرب” الأميركي مطلع آذار/ مارس الجاري، من أن تقليص الوجود العسكري الأميركي قد يؤثر على منظومة الضغط العسكري والاستخباراتي التي حدت من نشاط التنظيم خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن خلايا “داعش” ما تزال تنشط في المناطق الصحراوية الواسعة في سوريا.

يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة شامل عبد الحميد، لنورث برس: “الوجود الأميركي كان جزءاً من منظومة ردع أوسع ساهمت في منع التنظيم من إعادة تنظيم صفوفه، فالتراجع في هذا الوجود منح خلايا التنظيم مساحة أكبر للحركة”.

بين واشنطن وإسرائيل وإيران هل تغيرت خريطة الأولويات العسكرية؟

تزامن الانسحاب الأميركي مع تصاعد التوتر الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، وترى تحليلات نشرتها صحف دولية أن إعادة ترتيب الانتشار العسكري الأميركي في سوريا تعكس تحولاً في الأولويات الاستراتيجية، مع تركيز أكبر على مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وبدأت واشنطن بالفعل تقليص وجودها في عدد من القواعد العسكرية في شمال شرقي سوريا، مع الإبقاء على انتشار محدود في قاعدة قسرك بريف الحسكة، ويرى الخبير في شؤون الأمن الإقليمي غريب السعدي، أن هذه التحولات قد تؤثر بشكل غير مباشر على جهود مكافحة الإرهاب.

يقول السعدي لنورث برس: “عندما تتحول أولويات القوى الدولية نحو مواجهة إقليمية أوسع، فإن ملفات مثل مكافحة داعش قد تتراجع نسبياً في سلم الأولويات”.

هل تتحرك الخلايا النائمة في الظل؟

منذ خسارته آخر معاقله الجغرافية في بلدة الباغوز عام 2019، تحول تنظيم “داعش” إلى استراتيجية الخلايا النائمة، معتمداً على هجمات محدودة وكمائن وعمليات اغتيال في مناطق مختلفة من سوريا، خصوصاً في البادية الممتدة بين حمص ودير الزور.

وفي هذا السياق حذر تحليل صادر عن مشروع التهديدات الحرجة لمعهد “أميركان إنتربرايز” الأميركي، من أن أي فراغ أمني في شمال شرقي سوريا قد يسمح لخلايا التنظيم بإعادة تنشيط عملياته.

ويصف شامل عبد الحميد المختص في شؤون التنظيمات المتشددة سياسة “داعش” بـ “طويلة النفس وهو يعتمد حالياً على خلايا صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات محدودة للحفاظ على وجوده”.

من مكافحة الإرهاب إلى ردع إيران.. هل تراجع ملف داعش إلى الهامش؟

تشير تقارير صادرة عن مراكز بحثية متخصصة في شؤون الإرهاب إلى أن التهديد الذي يشكله التنظيم لم يختفِ رغم تراجع حضوره الإعلامي والسياسي.

فقد كشف تقرير صادر عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن، أن تقليص الوجود العسكري الدولي في سوريا قد يؤدي إلى إضعاف منظومة مكافحة الإرهاب التي تشكلت بعد هزيمة التنظيم.

كما اعتبر “المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي” في لندن، أن تنظيم “داعش” بات يعتمد على استراتيجية “التمرد منخفض الكثافة” التي تقوم على تنفيذ هجمات محدودة للحفاظ على حضوره الأمني إلى حين تغير الظروف الإقليمية.

كيف يستثمر التنظيم في الفوضى الإقليمية؟

لطالما اعتمد تنظيم “داعش” على استثمار الفوضى السياسية والأمنية في مناطق النزاع من أجل إعادة التمدد فهو بحسب اعتقاد سليم برادعي، الباحث في الحركات الجهادية، أن التنظيم قد يحاول اليوم استغلال التوترات الإقليمية الحالية لإعادة تنشيط شبكاته.

وينوه في حديثه لنورث برس أن: “التنظيم لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يعود بل يكفيه تراجع التنسيق الأمني بين القوى الفاعلة ليشن هجمات استباقية بين من يعتبرهم منافسين فعليين له في الأماكن التي يعتبرها حدود دولة خلافته”.

من يملأ الفراغ بعد الانسحاب الأميركي؟

في حال تراجع الوجود العسكري الأميركي بشكل نهائي، يطرح ذلك سؤالاً أساسياً حول الجهة القادرة على ملء الفراغ الأمني في شمال شرقي سوريا؟

في هذا الشأن يرى الخبير الأمني يوسف السبع أن: “القوات المحلية تمتلك خبرة كبيرة في مواجهة داعش، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الدولي خصوصاً في مجال الاستخبارات والدعم الجوي”.

أما ميدانياً، فتشير بيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن تنظيم “داعش” ما يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات متفرقة في سوريا، خصوصاً في مناطق البادية السورية، حيث يعتمد على الكمائن والهجمات الخاطفة..

كما سجل المرصد خلال السنوات الأخيرة مئات العمليات التي نفذتها خلايا التنظيم في تلك المناطق، مع استمرار وقوع هجمات خلال عام 2026، ما يعكس استمرار نشاط الخلايا رغم الضربات العسكرية السابقة.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن عودة التنظيم إلى مستوى السيطرة الجغرافية التي كان عليها قبل سنوات تبدو غير مرجحة في المدى القريب، لكن استمرار الفراغات الأمنية قد يسمح له بالحفاظ على نشاطه وربما إعادة بناء شبكاته تدريجياً.

تحرير: تيسير محمد