عرض “طميمة” على مسرح القباني بدمشق… صحوة مسرحية جديدة

دمشق – أحمد كنعان – NPA
لا يتوقف المسرح القومي السوري عن تقديم المسرحيات لكنه نادراً ما يقدم فرجة ممتعة متكاملة كان آخرها مسرحية "طميمة" التي تعرض حالياً على مسرح القباني بدمشق.
المسرحية كتب نصها شادي كيوان، وعالجها درامياً كفاح الخوص، الذي مثل أحد الأدوار إلى جانب كل من يزن خليل وكرم شعراني ومرح حسن ومرح حجار، أما الإخراج فكان لصاحب فكرة العرض، عروة العربي.
روح جماعية
الروح الجماعية تجلت في حوارات "طميمة"، من خلال ارتجالات الممثلين الواضحة، والمعالجة الدرامية لحكاية المسرحية، التي تلامس منطقة تعد خطرة أخلاقياً حسب معايير المجتمع، وهي الخيانة وأشكالها والتخوين.
ويتلخص العرض بقصة بسيطة لثلاثة أصدقاء أولهم طارق الذي غادر البلاد هرباً من الحرب، وتربطه قصة حب بـ ليلى، وحسام الذي انخرط بالحرب ليكّون ثروة بسرعة مريبة، والثالث سيف وهو المطلوب للخدمة الإلزامية ويعيش متخفياً وتزوره ليلى حبيبة طارق لتبدأ بينهما قصة حب آثم.
الكل خونة
عودة طارق صعّدت الأحداث بشكل مفاجئ، بعد أن قرر الاحتفال بميلاد صديقه سيف الذي كانت تزوره ليلى في تلك الليلة، وخبأها  في الخزانة، لتنقلب بعدها سهرة الأصدقاء من شوق وود إلى عراك وصل حدود الضرب، إثر مكاشفات كثيرة، يكون فيها كل منهم خائناً بطريقة خاصة ومؤسفة للغاية، بل ومخزية أحياناً.
وحملت المسرحية هموم الحرب وما بعدها من انقطاع للكهرباء وبرد وانعدام وسائل التدفئة بأسلوب واقعي جذاب للغاية.
وبعد انتهاء شد الأعصاب والخوف والتوتر والمفارقات المبكية حيناً والمضحكة أحياناً كثيرة، جاءت مفاجأة العمل بلحظة الإفراج عن ليلى بأمان، ليكتشف أنها غير موجودة في الخزانة.
المسرحية انتهت بأغنية من كلمات كفاح الخوص وغناء عبد الله عطفة وألحان حسين عطفة.
اين اختفت ليلى؟
"نورث برس" التقت المخرج عروة العربي، للسؤال عن كيفية اختفاء ليلى رغم واقعية العرض.
وقال العربي: "واقعياً يمكننا أن نعتبر أن ليلى هربت لحظة انقطاع الكهرباء، أما رمزياً فما يجب مواجهته هو أن ليلى قد ضاعت."
وعن انتهاء المسرحية بأغنية لا مبرر درامي لها قال "العرض موجه إلى العامة وهناك فرق بالقدرة على قراءة الدلالة، فهي لمساعدة البعض على الفهم، وبنفس الوقت بسبب القسوة بالعرض كنا بحاجة إلى نهاية رومنسية."
ويرى المخرج أنه يميل للاعتقاد بأن اختفاء ليلى هو "لحظة رمزية وغير واقعية" وهذا ما يدفعه للظن بأن الأغنية لا تحتاج إلى مبرر درامي.
"البطاقة الرابحة"
وقال المخرج نديم سليمان الذي كان يضحك ويبكي في ذات اللحظة عند انتهاء العرض: "المتعة في العرض جعلتني أنسى التفاصيل ..يزن خليل مبهر، وكرم شعراني، كوميديان المستقبل، بلا منافسن ويبقى كفاح الخوص البطاقة الرابحة."
نتاجات المسرح القومي حملت قاسماً مشتركاً هو كفاح الخوص كممثل أو مخرج أو دراماتورج، إضافة للمسته كشاعر، في "طميمة"، وكاسم متوفر دائماً في الأعمال الناجحة حسب تقييم نقاد, من "هوب هوب" إلى "ستاتيكو" إلى "مدينة من ثلاثة فصول" وأعمال أخرى كثيرة.
"صحوة مسرحية"
يرى الخوص أنهم عملوا باحترافية مشيراً لتسليم نفسه بأمان للمخرج، و"النقاشات الطويلة أوصلتنا للقناعة الكاملة بأداء أدوارنا" على حد تعبيره.
ويضيف عن المكان الذي يحب أن يرى فيه نفسه بين التمثيل والإخراج والكتابة الدرامية والشعر ، واصفاً نفسه عندما يكون مخرجاً بأنه يغار من الممثلين لحظة تصفيق الجمهور لهم ويؤكد على أن "المسرح أصلاً هو إبداع جماعي بمعنى أن أرواح الفنانين  تتمازج ولا أحد ينسب لنفسه جهداً."
بينما قال الكاتب والناقد المسرحي يوسف شرقاوي لـ"نورث برس" أن عرض طميمة "يبشر بصحوة مسرحية جديدة، فالرؤية فيه جديدة فعلاً وغير مطروقة، حتى الخاصيّات التي طُرحت لم يتم طرحها بهذا الشكل من قبل."
جهد إخراجي
فيما أكد الكاتب والناقد المسرحي جوان جان رئيس تحرير مجلة الحياة المسرحية أنه لم يشاهد على مسارح دمشق منذ فترة ليست بالقليلة "عملاً مسرحياً اجتماعياً شفيفاً وعميقاً، يتجاوز ما هو تقليدي وينحو منحى التجديد على صعيد الشكل الفني والمضمون."
ويضيف أن المسرحية حملت توقاً إلى طرح ما يجري تجاهله من قبل الآخرين في مجتمعنا، وشدد على أن الجميع أمام "جهد إخراجي أحد همومه تجاوز ما قد يُعتَبَر هنّات درامية باتجاه تعزيز دور ما هو جوّاني في الشخصيات المأزومة."
مكيفات معطلة
مخرج العمل عروة العربي قال ذات الكلام الذي قاله جواد الأسدي في مسرحية تقاسيم على العنبر رقم 6 صيف 1994, قبل بداية ليلة العرض، معتذراً عن إطفاء التكييف لأن المكّيف قديم وصوته الخشن يؤثر على صوت الممثلين.
ويرى مراقبون أنه "لابد إذن من تغيير المكّيف أولاً ثم تغيير طريقة التعاطي مع المسرح القومي والتوقف عن وهن عزيمته".