مخاوف من نزوح جديد.. عوائل عفرينية تحاصرها سنوات النزوح والمجهول
دلسوز يوسف ـ نورث برس
يجلس جعفر شيخو في زاوية غرفة ضيقة داخل مركز تابع لمؤسسة المياه في الحسكة، محاطاً بأمتعته القليلة، كل شيء يحمل ذكريات النزوح المتكرر. بعد نزوحه من عفرين، استقر سبع سنوات في منطقة الشهباء بريف حلب، قبل أن يضطر للمغادرة مرة أخرى إلى الحسكة عقب سقوط نظام الأسد.
“اليوم نعيش داخل مؤسسة المياه، وهذه المرة الثالثة التي ننزح فيها، عدا النزوح الأول من حلب مع بداية الأزمة”، يقول جعفر بصوت يملؤه الخوف والإرهاق لنورث برس.
وتعيش عشرات العائلات العفرينية اليوم داخل هذه الغرف الضيقة، تحاول التكيّف مع واقع فرضه عليهم النزوح المستمر.
المساحات الخدمية، التي لم تُعد أصلاً للإيواء، تحولت إلى مأوى مؤقت، قد لا يكون الأخير في مسار نزوح طال أكثر من ثماني سنوات.
مخاوف من نزوح
ويواجه هؤلاء النازحون، الذين هجرتهم الحرب أكثر من مرة، واقعاً إنسانياً هشاً، وسط تصاعد المخاوف من موجة نزوح جديدة مع استمرار التوترات العسكرية في شمال شرقي سوريا.
وتشهد مناطق شمال وشرق سوريا توترات متصاعدة بين القوات الحكومية السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وهذه الاشتباكات امتدت خلال الأشهر الأخيرة لتشمل مناطق متعددة، أبرزها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وريف الحسكة، والرقة، ودير الزور.
ودفع التصعيد العسكري المتكرر الجهات المتنازعة إلى الاتفاق على وقف إطلاق نار هش ومتقطع، لكنه لم يمنع استمرار المخاوف من موجات نزوح جديدة.
وخلال الهجمات الأخيرة التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا من قبل الحكومة الانتقالية في دمشق، نزح نحو 350 ألف شخص إلى مدن القامشلي والحسكة وكوباني، بحسب شيخموس أحمد، الرئيس المشارك لمكتب شؤون النازحين واللاجئين في الإدارة الذاتية.
بينما أشارت تقارير للأمم المتحدة، إلى نزوح أكثر من 134 ألف شخص في شمال وشرق سوريا خلال أيام الاشتباكات الأخيرة بين الحكومة و”قسد”.
هذا النزوح تركز في المخيمات والمراكز الجماعية في الحسكة والقامشلي وكوباني، مع ارتفاع مستوى الاحتياجات الإنسانية الأساسية، مثل الغذاء، المأوى، والأغطية. تواتر التصعيد العسكري يجعل المدنيين يعيشون حالة مستمرة من القلق والخوف من نزوح جديد كلما تصاعدت العمليات العسكرية
ويخيم الخوف من المجهول على حياة العائلات، التي لم تعد تمتلك خياراً واضحاً في حال اندلاع تصعيد عسكري جديد.
حياة صعبة
الحياة اليومية للنازحين قاسية، خاصة لأولئك الذين يعانون ظروفاً خاصة. حسين علو، نازح من عفرين ويعاني من شلل نصفي، يروي لنورث برس: “نحن نازحون منذ أكثر من سبع سنوات، وكل ما نريده هو العودة إلى أرضنا. فقدنا كل شيء، ونشعر بالخوف من النزوح مجدداً، ولا نعرف إلى أين سنذهب. خلال النزوح، يحملني أبنائي لنغادر”.
ويتابع: “كل يوم يمر كأنه عام كامل، وكل آمالنا أن نعود إلى ديارنا. الحرب قطعت بنا السبل”.
وفي الغرف المجاورة، تستعيد حنيفة مدور ذكريات النزوح الأولى تحت القصف وتقول لنورث برس: “طائرة قصفت حينا أثناء خروجنا من المدينة، قبل أن نستقر في مخيمات الشهباء لسبع سنوات”.
وتضيف: “هذه المرة الرابعة التي نؤسس فيها حياتنا من جديد. النزوح يلاحقنا في كل مكان. خلال الهجمات الأخيرة نزح الآلاف، لكنني بقيت مع عائلتي هنا. وإذا وقع هجوم جديد، لا نعلم إلى أين سنذهب”.
ويرافق الخوف والقلق جميع العائلات، التي فقدت منازلها وممتلكاتها، ولم يبقَ لديها سوى الأمل في العودة.
وتلخص حنيفة رغبة الجميع: “كل ما نتمناه هو أن نعود مرة أخرى إلى عفرين؛ إلى أرضنا، بين أشجار الزيتون”.
وأصبحت الغرف، رغم ضيقها وافتقارها للمقومات الحياتية الأساسية، شاهداً على صمود هؤلاء الناس، وعلى استمرار النزوح الذي طال سنوات طويلة، حيث يلاحقهم الخوف من المجهول، ويظل حلم العودة هو العزاء الوحيد وسط سنوات النزوح القاسية.