علي البكيع – دير الزور
بين الأزقة الضيقة والمنازل المتعبة في دير الزور، تتناثر حكايات صامتة تكشف عمق الأزمة المعيشية التي تضرب المنطقة. المصاعب اليومية لا تشمل ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى يوميات يطغى عليها انعدام الأمان الاقتصادي، والبحث عن حدٍّ أدنى من متطلبات العيش. وفي ظل تذبذب سعر الصرف وفواتير تلتهم ما تبقى من الدخل، تتفاقم معاناة آلاف الأسر التي تجد نفسها محاصرة بين الاحتياجات الأساسية وإمكانات شبه معدومة.
بيوت متهالكة وغلاء لا يُحتمل
بصوت يختلط فيه اليأس بالصبر، وصفت أم محمد، وهي أرملة تعيل أيتاماً، لنورث برس، يومياتها التي تثقلها الفواتير: “الأسعار مرتفعة بشكل جنوني؛ الماء والكهرباء والخبز وكل شيء. أنا معيلة أيتام وأعمل في المنازل لأستطيع توفير لقمة العيش لهم ولي، وليس لي سوى عون الله تعالى”.
ترى أم محمد أن تقلبات الدولار، العملة التي لم يعرفوها إلا منذ سنوات قليلة، أصبحت تتحكم بمصير العائلات: “كل يوم بسعر مختلف، تارة بارتفاع وتارة بنزول”.
وتشير إلى أن السلع الأساسية تحولت إلى حلم: “لا نجد الخبز ولا السكر ولا الزيت. أطلب اللحم من القصاب ليتصدق علي به لأتمكن من إطعام أولادي”.
وتتقاضى أم محمد ما بين 200 و300 ألف ليرة شهرياً مقابل عملها في المنازل، وتتساءل بمرارة: “كيف أستطيع العيش في هذه الظروف؟ المعيشة صعبة للغاية”.
ورغم أن منزلها ملك لها، إلا أنه متهالك وتتسرب المياه إلى جميع غرفه، فتزداد المعاناة شتاءً. وتطالب بـ ترخيص المواد والكهرباء والمازوت، مشيرة إلى أنها تضطر لاستخدام مدفأة حطب تحرق فيها بقايا الملابس المهترئة لتدفئة أطفالها.
وتوضح أن أبناءها لا يعملون بسبب انعدام فرص العمل، ولم يتمكنوا من التطوع في الجيش السوري نتيجة فقدان الشهادات الدراسية أثناء النزوح: “كنا جميعاً نازحين، لم يكن هناك وقت للدراسة… نطلب الإعانة، فقد عدت إلى دير الزور بعدما كنت في محافظة الحسكة”.
أجور لا تغطي ربع الفواتير
يقول إبراهيم المحمد لنورث برس إن الوضع “سيئ ومتردٍّ”، وإن المواطن يعيش في “تعب شديد”، مطالباً بتخفيض فواتير الكهرباء بما يتناسب مع الدخل المتآكل: “يجب أن نأكل ونشرب. نتمنى من الحكومة تخفيض الأسعار ليتمكن المواطن من العيش”، بحسب قوله.
أما عبد الله السليمان، فيقدم مثالاً رقمياً يوضح حجم الهوة بين الدخل والمصروف. فـ يومية العامل 40 ألف ليرة، أي نحو 1.2 مليون ليرة شهرياً.
ويضيف: “إذا كانت فاتورة الكهرباء بـ800 ألف ليرة، يبقى 400 ألف. هذا المبلغ لا يكفي للأكل والشرب. أقل شيء يجب أن يكون راتب المواطن 4 ملايين ليرة”.
وعاد السليمان من تركيا ليصدم بفارق الأسعار، مستشهداً بارتفاع سعر كيس الإسمنت من 55 ألفاً إلى 73 ألف ليرة، وسعر الخبز إلى 4000 ليرة بعد أن كان ما بين 800 و1000 ليرة.
ويختم برفضه تسعير البضائع بالدولار: “نحن لسنا في أمريكا ليتم الحساب بالدولار! عملتنا سورية”.
المرض يضاعف الأزمة ويهدد الأسر بالانهيار
من جهته، يوضح علي المهيدي، وهو عامل حر، عجزه عن دفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت وإيجار المنزل، مشيراً في حديث لنورث برس، إلى أنه يحاول التوفير لكنه يعود خطوات إلى الوراء كل يوم لا يعمل فيه: “اليوم الذي لا أعمل فيه، أرتد خمسة أيام إلى الوراء. أنا لا أستطيع توفير كل شيء”.
ويختتم المهيدي بمناشدة تخفيض أسعار الكهرباء والماء والإنترنت والدواء والخبز وإيجار المنازل، مؤكداً أن الأزمة تطال الجميع: “نحن نعاني والطلاب كذلك الأمر”.
وتشهد الأسواق السورية تذبذبات حادة في الأسعار، وسط انتقادات شعبية بغياب دور الحكومة لضبطها.. وتشير المصادر إلى أن الحكومة تتبع نهج اقتصاد السوق الحر التنافسي، مع التركيز على تنظيم الإطار العام للسوق ومكافحة الاحتكار، دون فرض قرارات مباشرة على الأسعار.
ويرى خبراء اقتصاديون، وفق تقارير صحفية، أن تقدير كلفة المعيشة في سوريا أصبح مهمة شبه مستحيلة بسبب الفوضى الاقتصادية.