الليرة السورية رهينة التقلبات والأسواق تدفع الثمن

سوسن طه – دمشق

يشكل سعر صرف العملة المحلية في البلاد، مقياساً حيوياً لصحة الاقتصاد واستقراره، وفي سوريا تحول متابعة سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي إلى روتين يومي يحدد حركة الأسواق ومصير المعاملات التجارية. خلال الأشهر الأخيرة، دخل سعر الصرف في دوامة من التقلبات الحادة والمتسارعة، حيث يشهد ارتفاعات وانخفاضاتٍ كبيرة في فترات زمنية قصيرة، دون أن يستقر عند مستوى معين لفترة كافية تسمح بإعادة الثقة أو التخطيط السليم.

هذه التذبذبات لم تعد مجرد أرقام تُعلن في الصيرفة أو على الشاشات، بل تحوّلت إلى عامل ضغط مباشر على جميع مناحي الحياة الاقتصادية. فهي تؤثر على أسعار السلع الأساسية والكمالية على حد سواء، وتحدد قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم، كما تُشكل تهديداً مباشراً لرأس مال التجار واستمرارية أعمالهم، خاصة أولئك الذين يتعاملون مع سلع مستوردة أو مرتبطة بسعر الصرف العالمي.

مضاربات ومجموعات خاصة للتلاعب

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي وأمين سر جمعية حماية المستهلك م. عبد الرزاق حبزة لنورث برس: “في ظل اقتصاد متهالك، تؤثر الشائعات والقرارات الدولية والإقليمية بشكل مباشر على سعر صرف الليرة، وفي ظل عدم وجود سياسية حكومية واضحة سيؤدي ذلك إلى تذبذب في السعر، مما يهيئ الفرصة للمضاربين للتلاعب أكثر بسعر الصرف، أمّا بالنسبة لقانون قيصر، في الحقيقة قرار رفع العقوبات الأميركية ليس له تأثير فوري على انخفاض سعر الصرف، لكنّ بسبب التأثير النفسي أدّى إلى انخفاض سعر الصرف وبالتالي يُعتبر سعر وهمي وغير حقيقي، لأن تحسن الليرة واستقرارها مرتبط بتحرك الاقتصاد الوطني”.

ويشير حبزة إلى أنّ: “السبب المباشر والرئيسي يحدث داخلياً من خلال التجّار وحفاظهم على الأسعار والمواد وعدم انسيابها بالأسواق وبالاتفاق بين بعض التجّار يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أولاً، وثانياً تغير سعر الصرف الحكومي فمثلاً الحكومة تسعر المحروقات والنفط بالدولار والدولار غير منضبط بسعره وتعطي سعر ثابت في البنك المركزي 11500 ليرة سوريّة، وهذا يدل على أنّ الجهات الحكومية لديها سعرين لسعر الصرف وهذا خلل في إدارة الاقتصاد، والحلقة الأضعف هنا هي المواطن”، بحسب قوله.

ويوضح حبزة أنّ بعض التجار يضعون قيمة إضافية “مثلاً إذا سعر الصرف 11 أو 12 يتعاملون على أنه 13 و14 ألف كنوع من الاحتياط لعدم ثقتهم بالليرة السورية، والبعض من تجار الجملة ونصف الجملة وتجّار المفرّق يلجؤون إلى مجموعات “واتساب” يخبرون بها بعضهم عن التغيير اللحظي لقيمة المنتج بالدولار ومبيعها بالليرة السوري”.

ويرى حبزة أن الحلول التي تساهم في استقرار العملة والاقتصادي السوري تبدأ عن طريق دعم الحكومة للمنتج المحلي والمواد الأولية الداخلة في الإنتاج وحاجة الفلاح الأساسية، بالإضافة إلى مساعدة التجار والصناعيين عن طريق تخفيض نسب الجمارك والضرائب المفروضة عليهم، وعن طريق إلغاء قرار رفع أجور الكهرباء لأن هذا الارتفاع سيُحمّل السلعة قيمة إضافية سيدفعها المواطن.

خسائر يومية وحركة تجارية بطيئة

من داخل سوق الحميدية، يقول التاجر فوّاز عقّاد لنورث برس: “عدم استقرار الليرة يسبب مشاكلاً واضطراباتٍ في السوق، فالصعود والنزول يؤدي لمشاكل في التداول التجاري، كما أنّ الذبذبة في ساعات اليوم الواحد ذاته تؤدي لتخبط في أسعار السلع، طالبنا غرفتي الصناعة والتجارة في دمشق منذ سقوط النظام باستقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار، لكنّ الرد يكون بأنه “الوضع اليوم مو بإيدنا”، وهناك عدم استقرار بالبلد”.

ويضيف عقّاد: “في المصرف المركزي السعر هو 11500 ليرة سوريّة وبالسوق السوداء 11700 و11800 وغيره، هذا الفرق ما بين السعرين يؤدي إلى تخبّط في أسعار البضائع والمنتجات المتوافرة في السوق.. ففي حالة ارتفاع سعر الصرف يتضرر المستهلك وفي نزول أو تحسّن الليرة ضرر للتاجر الذي اضطر لشرائها بسعر مرتفع مسبقاً، واليوم بعض التجار يحتسبون قيمة إضافية فوق سعر الدولار لحماية أنفسهم من الصعود المفاجئ، وربما هناك ما يبرر بأنه فعلاً اشتروا بضاعتهم بـ 12000 وحدث ارتفاع إلى 12200 وبالتالي هذه القيمة الإضافية خففت من خسارتهم في البضاعة ورأس المال”.

أمّا التاجر طارق جانو فيوضح لنورث برس: “الثباتية في سعر الصرف هي الأفضل للاقتصاد السوريّ وللتعامل بين الناس، خاصةً أنّ بعض المواطنين يؤجلون مشترياتهم حتى استقرار السعر، كتجربتنا اعتمدنا الليرة السورية في تعاملنا التجاري، خاصة أنه المواد النفطية تأمنت والمواد الأولية توفرت، ما سمح لوجود منافسة بين التجار ما يؤدي لانخفاض في الأسعار، لكن اعتقد أن سعر الكهرباء سيؤثر على سعر المنتجات ومبيعها”.

حالة من الترقب نحو الاستقرار والثبات

رائد توتنجي وهو تاجر في العاصمة دمشق، يؤكد أنّ أيّ استقرارٍ في سعر الليرة سيؤدي إلى ثبات في الأسواق، عندها يستطيع التاجر معرفة رأس المال اللازم للبضاعة، أما في حال التذبذب سيخسر التاجر أحياناً وسيُظّلم المشتري بسعر المنتج، كما أنّ الحركة الشرائية تتأثر بشكل واضح إذ يمتنع التجار والسكان عن عمليات البيع والشراء لعدم وجود سعر واضح”.

ويضيف خلال حديثه لـ “نورث برس”: ” تداول سعر وهمي بين الناس هو جزء من الأسباب التي تؤدي لعدم الاستقرار فمنذ ساعات الصباح حتى المساء يرتفع وينخفض سعر الصرف مرات ومرات، وبالنهاية السوريون بحاجة لسعر ثابت كي لا تصبح حركة السوق راكدة”.

يشير الواقع في السوق إلى أن حالة عدم الاستقرار في قيمة الليرة تسبب انكماشاً في الحركة الاقتصادية واتساعاً في رقعة الخسائر على مستوى التجار والمواطنين على حد سواء. ما يؤثر على ديناميكيا الشراء والبيع، فالتجار يُعدّلون استراتيجياتهم في التعامل مع البضاعة والمخزون، والمستهلكون يُعيدون ترتيب أولويات إنفاقهم. هذه التعديلات في السلوكيات الاقتصادية تمثل استجابة طبيعية لبيئة تتميز بعدم الاستقرار النقدي، فيما يبقى ترقب الاستقرار وتعافي الليرة عالقاً، وبانتظار حلولٍ جذرية للأزمة التي طال أمدُها.

تحرير: معاذ الحمد