“الاستقرار” يسرّع مشاريع البناء ويضاعف الأسعار في القامشلي

نالين علي ـ القامشلي

في ورشةٍ خشبيةٍ صغيرة على أطراف أحد أحياء القامشلي، يقف جهاد الأحمد منشغلاً بين المناشير وألواح الخشب، يعمل لساعات طويلة دون توقف. جهاد، الذي يعمل نجاراً منذ سنوات، لم يعتد هذا الزخم من العمل من قبل.

يقول الأحمد لنورث برس إن هاتفه لا يكف عن الرنين، وطلبات المشاريع تتوالى بوتيرة غير مسبوقة. قصة جهاد تختصر واقعاً جديداً تعيشه مدينة القامشلي اليوم، حيث عاد العمران والاستثمار ليشكّلا ملامح مرحلة مختلفة بعد سنوات من التراجع والخوف.

انتعاش عمراني بعد سنوات من التراجع

شهدت مدينة القامشلي شمال شرق سوريا ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة العمران والاستثمارات، بعد أعوام من الانخفاض الحاد الذي فرضته الحرب والهجمات التركية المتكررة. هذا التغير جاء عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تبعه من حالة استقرار نسبي في البلاد، إلى جانب توقف الهجمات التركية التي كانت تستهدف المناطق الشرقية بشكل خاص.

وتشير تقارير إلى أنه بين عامي 2019 و2023، شهد قطاع البناء في القامشلي ركوداً غير مسبوق، حيث اقتصرت الأعمال على الترميم فقط، وسط عزوف شبه كامل عن المشاريع الجديدة.

يقول الأحمد، وهو نجار في مدينة القامشلي، في حديثه لنورث برس، إن مشاريع المباني السكنية والمعمارية شهدت هذا العام قفزة كبيرة جداً، وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 100% مقارنة بالأعوام السابقة.

كما شكل غياب الأمن والاستقرار السياسي السبب الأبرز لتأخر الإعمار، إذ لا يمكن للمستثمرين أو السكان العودة أو بناء مشاريعهم في بيئة غير آمنة. حتى في المناطق التي توقفت فيها المعارك أو تراجعت، كانت هناك مخاوف من تجدد النزاع وانعدام استقرار سياسي وإداري، مما أثر سلباً على قرارات الاستثمار.

ويرجع الأحمد سبب هذا النشاط المتزايد إلى حالة الاستقرار التي تشهدها المدينة، موضحاً أن السكان يتمتعون هذا العام براحة نفسية أكبر وشعور متزايد بالأمان، ما عزز قناعتهم بأن المنطقة تتجه نحو مستقبل أفضل.

ويضيف: “لم نعد نلحق بالعمل. نعمل ضمن ورشات نستلم المشروع من بدايته حتى الانتهاء منه، وهناك ضغط وطلب كبير من أصحاب المشاريع والمستثمرين، ما يضطرنا أحياناً للاعتذار عن بعض الأعمال بسبب كثافة الطلب هذا العام”، بحسب قوله.

تضاعف الأسعار

ومع تزايد حركة البناء والاستثمار، سجلت أسعار العقارات في القامشلي ارتفاعاً كبيراً وملحوظاً. نضال سعيد، صاحب مكتب عقاري في المدينة، يؤكد لنورث برس أن نسبة الإنشاءات والعقارات ارتفعت هذا العام مقارنة بالسنوات الماضية التي كانت فيها عمليات البناء شبه معدومة.

ويربط سعيد هذا النشاط بوجود حالة من الاستقرار منذ قرابة عام في سوريا عموماً، وفي المنطقة بشكل خاص، مشيراً إلى أن معظم الاستثمارات الحالية تعود لأشخاص مقيمين خارج البلاد، يقومون بشراء عقارات وبناء شقق سكنية، إضافة إلى محال تجارية ومولات.

ويتابع: “كلما ازداد الاستثمار ارتفعت أسعار البناء والعقارات أكثر”، لافتاً إلى أن نسبة العمران هذا العام ارتفعت بنحو 80% مقارنة بالسنوات الفائتة، بحسب قوله.

استثمارات محلية وشركات ناشئة

إلى جانب استثمارات المغتربين، تشهد القامشلي نشاطاً متزايداً لشركات محلية تعمل بالشراكة مع عدة أشخاص على إنشاء محال تجارية كبيرة وموسعة، ما يسهم بشكل مباشر في تعزيز حركة البناء داخل المدينة.

قهرمان حسن، وهو معلم نجار آخر في القامشلي، يصف المشهد اليومي في شوارع المدينة قائلاً لنورث برس: “حين تمر في شوارع القامشلي تجد عمالاً ومباني قيد الإنشاء في كل مكان، هناك نشاط عمراني واستثماري كبير”.

ويؤكد حسن أن ما تشهده المدينة من استثمارات ومشاريع سكنية وتجارية يعكس بوضوح حالة الاستقرار التي يشعر بها السكان، ويعد دليلاً على ثقتهم بالمستقبل.

من جانبه، يقول أكرم أسمر، أحد سكان القامشلي، لنورث برس إن حركة البناء ازدادت بشكل واضح في الآونة الأخيرة نتيجة استقرار الوضع العام في المنطقة، ما أعاد الأمل لدى السكان بالبدء من جديد والاستثمار وإعادة الإعمار.

ويضيف أن العمارات والمباني السكنية الجديدة تُقام بشكل أكبر في الشوارع الحيوية والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية، مشيراً إلى أن أسعار العقارات تختلف من حي إلى آخر بحسب الموقع، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في أسعار بعض الشقق السكنية.

وتعكس حركة العمران المتسارعة في القامشلي تحولاً لافتاً في المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، بعد سنوات من الركود. وبين قصص العمال والحرفيين، وعودة المستثمرين من الداخل والخارج، تبدو القامشلي اليوم في بداية مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: الاستقرار يولّد الإعمار، والإعمار يعيد الأمل.

وأدت الحرب في سوريا، التي بدأت في 2011، إلى دمار واسع في البنية التحتية والمباني، حتى عام 2023. وبحسب التقديرات الدولية، تضرر ما يقرب من ثلث رأس المال الاستثماري قبل الحرب، مع دمار كبير في الطرق والكهرباء والمساكن والقطاع الاقتصادي بشكل عام، مما جعل الكثير من المشاريع العمرانية غير ممكنة عملياً.

وأثر الصراع بشكل عميق على الاقتصاد؛ حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي السوري بشكل حاد بين 2011 و2023، مما حد بشدة من الأموال المتاحة للاستثمار والبناء. هذا الانكماش الاقتصادي يعني أن الدولة والأفراد لم يكونوا قادرين على تمويل مشاريع كبيرة أو طويلة الأجل خلال تلك السنوات.

تحرير: معاذ الحمد