كارثة صامتة على حافة الصنبور.. مياه ملوثة تهدد حياة مئات الآلاف في دير الزور
علي البكيع ـ دير الزور
في صباح كل يوم، يفتح سكان دير الزور صنابيرهم على حالة مكررة: مياه غائمة، ذات رائحة كريهة، أحياناً تحمل رمالاً وطفيليات، وأحياناً أخرى تبدو صافية لكنها خالية من الكلور أو محملة بمخاطر غير مرئية.
في هذه المدينة التي أنهكتها سنوات النزوح والحرب، تحولت مياه الشرب من مصدر حياة إلى تهديد صامت، حيث الأمراض تنتظر أي فرصة لتصيب الصغار والكبار على حد سواء. كارثة صحية صامتة تتفاقم مع الظروف الاقتصادية الصعبة، وتجعل من تلوث المياه قضية حياة أو موت يومية لمئات الآلاف من السكان.
رحلة المرض
يوسف الموسى، أحد سكان حي المطار القديم، عاد إلى منزله بعد رحلة نزوح دامت نحو 15 عاماً، لكنه وجد أن المعاناة قد اتخذت شكلاً جديداً.
يقول موسى لنورث برس: “المياه التي تصل إلينا غير معالجة، ولا تحتوي على الكلور، تأتي مباشرة من نهر الفرات إلى صنابيرنا”.
ويضيف: “الأطفال وكبار السن أكثر من يتأثرون. يجب أن تأتي لجان وتراقب جودة المياه وترى بأعينها حجم المعاناة”. بالنسبة لموسى، العودة إلى المنزل لم تكن بداية حياة طبيعية، بل مواجهة يومية مع تهديد صحي مستمر.
في حي الحميدة، تزداد الأزمة سوءاً، حيث لا يقتصر الأمر على نقص المياه، بل يتفاقم بسبب تلوث النهر نفسه.
نهر الفرات يتحول إلى مصدر أوبئة
قاسم الجباري، صياد في المنطقة، يروي ملاحظاته اليومية لنورث برس: “نرى ما لا يراه أحد آخر، نرى القمامة مطروحة في النهر من مطاعم ومصانع صغيرة، ونشاهد مواد سامة مثل الديلميتات واللانيت التي تقتل وتسبب الوفاة أحياناً”، بحسب قوله.
ويشير الجباري إلى أن مياه الشرب الصالحة إما “مليئة بالكلور أو خالية منه تماماً”، وأحياناً تكون “ذات رائحة كريهة بسبب الصرف الصحي”.

ويؤكد أن هذه المياه الملوثة هي السبب المباشر في تفشي الإسهال الشديد، والكوليرا، والفشل الكلوي، وحتى بعض أنواع السرطان في المنطقة، مشدداً: “نعاني كثيراً من حالات الفشل الكلوي بين السكان”، وفقاً لوجهة نظره.
في حي الصناعة، يتحمل السكان عبئاً مالياً هائلاً للتعامل مع أزمة المياه. ربيع أحمد الحاج (63 عاماً) يصف الوضع بالـ”مأساوي”، بعدما اضطر لإنفاق مليون ونصف ليرة سورية على تمديد خط مياه خاص به لتأمين مصدر أفضل. إلا أن المياه الجديدة جاءت معكرة وغير صالحة حتى للشاي.
ضريبة المرض والمعالجة الذاتية
يقول الحاج لنورث برس: “المياه الملوثة تصيب الكلى بالرمل والحصى، ولا نملك المال الكافي لشراء الدواء”.
ويضيف: “نصائح الأطباء بشرب مياه معقمة تصطدم بالواقع القاسي: لا يوجد عمل، ومن أين أتي بالمصاري؟ أحياناً نحن نأكل لنعيش، وليس لنستطيع شرب المياه الصحية”.
وهذه المعاناة اليومية تعكس ثقل الأزمة الاقتصادية والصحية، وتجعل من معالجة المياه ضرورة لا تحتمل التأجيل.
ويعتبر السكان أن تلوث مياه الشرب قضية وطنية وصحية عاجلة، ويضعون المسؤولية على كل الجهات المعنية، بدءاً من القائمين على محطات المياه وحتى الجهات البيئية والرقابية. مطالبهم تشمل: “إعادة تأهيل محطات التصفية المعطلة. تشديد الرقابة على جودة المياه. التحقيق في المخالفات البيئية ووقف تدفق المواد السامة والصرف الصحي إلى نهر الفرات”.
ويحذر السكان من أن استمرار الوضع سيزيد من تفشي الأمراض ويضع حياة السكان في خطر يومي. الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتصفية المياه ووضع حد لهذه الكارثة الصحية الصامتة قبل فوات الأوان، فالخطر لم يعد مستقبلياً، بل حاضر في كل كأس ماء يصل إلى الصنابير.