سامر ياسين – الحسكة
تعيش مدينة الحسكة وريفها أزمة مائية حادة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات، حيث تشهد انخفاض مستوى مياه الآبار بشكل متزايد، في ظل انقطاع المورد الرئيسي لمياه الشرب من محطة علوك بريف سري كانيه ( رأس العين) الذي يغذي المدينة وريفها منذ أعوام، مما أجبر السكان على البحث عن بدائل لتغطية احتياجاتهم اليومية، علماً أن المياه المتوفرة اليوم غالباً ما تكون مالحة ومرة، ومع ذلك يستخدمها السكان للغسيل وري المزروعات، وسط استنزاف متزايد للمياه السطحية والجوفيّة من الحسكة وريفها.
في منطقة الحمة “قرية شموكة”، هناك حوالي 150 منهلاً لتعبئة المياه، كانت تعتمد سابقاً على تغذيتها من نهر الخابور والسد الشرقي للحسكة، أما الجفاف المستمر وشح الأمطار وانخفاض مخزون المياه أجبر أصحاب المناهل مؤخراً على تقليص قوة مضخاتهم، ما أدى إلى إطالة زمن تعبئة الخزانات وزيادة استهلاك الوقود، وتقليل عدد الصهاريج التي يمكن تعبئتها يومياً، كما اضطر السكان في المدينة “كاستخدام شخصي” إلى حفر آبار أعمق للوصول إلى مياه أقل جودة، في حين أن بعض هذه الآبار قد تجف خلال أشهر قليلة، حسب خبراء جيولوجيين.
الضغوط المائية لم تقتصر على المناهل العامة فقط، بل شملت الآبار المنزلية والزراعية، حيث أصبح الحفر إلى أعماق أكبر ضرورة لتأمين مياه الري والغسيل، في وقت يشهد فيه منسوب المياه انخفاضاً سنوياً بمعدل يتراوح بين مترين إلى ثلاثة أمتار، هذه التحديات الفنية تؤكد أن أزمة المياه في الحسكة ليست مجرد حالة مؤقتة، بل مشكلة متفاقمة تهدد استدامة الموارد المائية وصحة السكان والزراعة في المنطقة، حسب مراقبون.

صهاريج أقل بتوقيت أطول
يشير معروف سليمان، صاحب منهل لتعبئة المياه في منطقة “الحمة” بريف الحسكة، إلى أن تراجع منسوب المياه بعد موجات الجفاف انعكس بشكل كبير على واقع الآبار في المنطقة، إذ يسجل المنسوب انخفاضاً متزايداً عاماً بعد عام، ويعود السبب الرئيسي بحسب كلامه إلى جفاف السد الشرقي وانقطاع مياه نهر الخابور، إضافة إلى شح الأمطار، ما أدى إلى انخفاض حاد في مستوى المياه الجوفية، مما أجبره إلى تقليص قدرة المضخات المستخدمة، فبعد أن كانت بقوة 25 حصاناً، أصبحت اليوم 15 حصاناً فقط، ما أدى إلى إطالة زمن تعبئة الخزانات وزيادة استهلاك مادة المازوت وبذل مجهود أكبر لتغطية احتياجات السكان، بحسب قوله.
ويضيف “سليمان” في حديثه لنورث برس أن هذا الوضع لا يقتصر على منهله فقط، بل يشمل معظم المناهل في المنطقة، حيث ارتفعت نسبة تراجع المياه بما يقارب 30 إلى 40 بالمئة، “وانعكس على كميات المياه المعبأة يومياً، فبعد أن كنا نعبئ نحو عشرة صهاريج في السابق، أصبح العدد اليوم لا يتجاوز خمسة صهاريج أو أقل، خاصة خلال فصل الصيف، ما يزيد من الضغوط علينا في ظل الطلب المتزايد على المياه من قبل السكان”.
ويؤكد “سليمان” أن حفر آبار جديدة لم يعد حلاً دائماً، إذ “إن هذه الآبار قد تعمل لمدة ستة أو سبعة أشهر فقط قبل أن تتوقف مجدداً، لأن مصادر المياه في المنطقة ليست مياه جارية أو خزانات جوفية عميقة، بل هي عبارة عن مستنقعات مائية محدودة سرعان ما تنضب”.
انخفاض لمستوى خطير
يقول سعيد أحمي، الذي يعمل في حفر الآبار منذ ثلاثين عاماً في منطقة الحسكة، إن أسباب انخفاض منسوب المياه تعود إلى قلة الأمطار خلال السنوات العشر الأخيرة، وجفاف مياه نهر الخابور، بالإضافة إلى الاستجرار المكثف من قبل السكان والمناهل، ويشير إلى “أن منسوب المياه في السابق في منطقة الحمة كان يقارب 35 متراً، بينما اليوم يصل إلى 70 متراً، ما يجعل المخزون المائي غير كافٍ لتلبية الاحتياجات اليومية للمنطقة”.
ويضيف “أحمي” لنورث برس أن “توسع الزراعة وزيادة أعداد السكان زاد من الاستنزاف، وأن حفر الآبار العميقة لم يعد يضمن الحصول على مياه صالحة للشرب، إذ غالباً ما تكون مرّة وتحتوي على شوائب قد تسبب أمراضاً”، كما قال أن الأمطار الأخيرة رفعت مستوى المياه بشكل مؤقت، لكن سرعان ما يعود الانخفاض مع استمرار الاستجرار العالي، مؤكداً أن الوضع يقترب من كارثة مائية حقيقية تمس جميع سكان الحسكة وريفها، حسب تعبيره.
ويشير “أحمي” إلى أن الاستجرار في منطقة الحمة مستمر ليلاً ونهاراً لسحب المياه بواسطة الصهاريج بشكل مكثف، وأن الحفر إلى أعماق أكبر، مثل 100 أو 120 متراً، ينتج مياهاً أكثر مرارة ويظهر فيها شوائب عديدة، ما يجعلها غير صالحة للشرب، و”هذا الواقع يفرض على السكان الاعتماد على المياه المتوفرة مهما كانت جودتها، بسبب توقف محطات المياه وانقطاع الأنهار، ما يعكس حجم الأزمة التي تواجه المنطقة”.
مياه نهر دجلة.. الحل الوحيد
من جهته يؤكد الخبير الجيولوجي عامر الركراك أن جميع الآبار في الحسكة سطحية، ولا توجد آبار ارتوازية أو مياه جوفية تتغذى من مناطق بعيدة، موضحاً أن معظم الآبار كانت تعتمد على نهر الخابور ونهر الجغجغ والسيول المطرية، ويشير إلى أن انخفاض مستويات المياه في الآبار يعود بشكل رئيسي إلى الاستجرار المكثف من قبل السكان والمناهل، إضافة إلى الحفر العشوائي في طبقات غير مناسبة، ما يؤدي إلى تراجع جودة المياه بشكل ملحوظ مع كل انخفاض جديد في المنسوب.
ويشرح “الركراك” بتصريحه لنورث برس أن بعض المناطق، مثل “منطقة التهوية”، تعتمد مباشرة على التغذية من الهطولات المطرية والأنهار والجداول القريبة، لكنها لا تكفي لتغطية احتياجات فصل الصيف، ولا يمكن الاعتماد عليها كمورد استراتيجي لتأمين المياه لمدينة الحسكة والمناطق المجاورة.
ويشير إلى “أن الانخفاض السنوي في منسوب المياه يتراوح بين مترين إلى ثلاثة أمتار، ما يجعل إدارة الموارد المائية تحدياً مستمراً ويضع ضغوطاً كبيرة على السكان والزراعة والغطاء النباتي”.
واختتم “الركراك” حديثه بالتأكيد على ضرورة التفكير بمشاريع استراتيجية طويلة المدى ومستدامة، كحفر قناة مائية من نهر دجلة، لتأمين مياه مستدامة للمنطقة، ويشدد على أن عدم تنفيذ مثل هذه المشاريع قد يؤدي إلى استنزاف كامل للآبار الحالية، وجعل المياه غير صالحة للشرب، مع انعكاسات صحية وبيئية مباشرة على السكان والزراعة، حسب تعبيره.