عمر عبدالرحمن – دير الزور
في منزل بسيط بمدينة الشحيل بريف دير الزور الشرقي، يقف علي الجاسم متأمّلاً أطفاله السبعة وتأثير البرد عليهم. الشتاء هنا لا يشبه أي فصل آخر؛ فالبرد القارس يترافق مع نقص وسائل التدفئة والمستلزمات الطبية، ما يجعل مواجهة الأمراض اليومية تحدياً يومياً.
ويقول علي لنورث برس: “شتاء دير الزور قاسي جدًا، البرد شديد ونعاني من نقص كبير في وسائل التدفئة. الكثير من العائلات لا تملك المال لشراء الحطب أو الغاز أو أي مادة وقود. الأطفال يتعرضون للزكام بشكل متكرر في فصل الشتاء، وهذا يسبب لنا قلقًا كبيراً. نرى الأطفال يبكون من البرد ومن المرض، نحاول قدر الإمكان مساعدتهم لكن الظروف صعبة للغاية”.
وتأتي بعض المنظمات بين الحين والآخر لتقديم مساعدات، لكنها ليست كافية، بحسب علي الذي يضيف: “نحن بحاجة إلى دعم مستمر، خصوصاً في فصل الشتاء. نحن بحاجة إلى أدوية وأغطية وطعام دافئ”.
ويضيف بالعامية: “فصل الشتاء يفضح الفقير لأنه يتطلب منا مصاريف أكثر من فصل الصيف. سبعة أطفال في كل شتاء يعانون من نوبات الزكام، وأعالجهم مرتين أو ثلاثة، حتى تلك المعالجات تدخلني في الديون. نتمنى من الجهات المعنية دعمنا بالوقود وتقديم خدمات جيدة في المشافي بشكل مجاني، خاصة للفقراء”، بحسب قوله.
وصرّح إداري في لجنة المحروقات بريف دير الزور، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لنورث برس، أن كميات مازوت التدفئة المتوفرة كافية، وتعمل اللجنة على استكمال توزيعها على العائلات في ريف دير الزور الشرقي خلال الفترة القريبة.
وأوضح أن نحو 30% من العائلات لم تتسلّم مخصصاتها حتى الآن بسبب عدم ورود أسمائها ضمن القوائم الصادرة عن إدارة المحروقات بدير الزور، مؤكداً عدم إمكانية التوزيع خارج هذه القوائم.
وأضاف أنه تم توجيه العائلات غير المستفيدة لمراجعة إدارة المحروقات في المعامل لتسجيل أسمائها، إلا أن الأوضاع الأمنية والظروف الحالية تحول دون قدرة بعض العائلات على قطع مسافات تتجاوز 100 كيلومتر للوصول إلى مكتب الإدارة.
ووفق الناشط والخبير الصحي جابر السعد، الذي يقول: “صراحة، الوضع الصحي في دير الزور مقلق للغاية. رغم الإصلاحات، لا يزال هناك نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية. العديد من المراكز الصحية لا تعمل بكامل طاقتها بسبب نقص الكوادر والموارد. نحن نحاول تنظيم حملات توعية وتوزيع أدوية أساسية، لكننا بحاجة إلى دعم أكبر”.
ويضيف السعد لنورث برس: “أدعو الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية إلى تكثيف جهودهم في تقديم الدعم الصحي لسكان دير الزور. يجب أن تكون هناك استجابة عاجلة لمواجهة هذا الوضع الحرج، خاصة فيما يتعلق بصحة الأطفال، حيث ترتفع أعداد المرضى بسبب نزلات البرد”.
من جهته، يشير الطبيب المختص بالأطفال أحمد الحميد من مدينة هجين إلى أن الأطفال هم الأكثر عرضة للأمراض الشتوية: “خلال فصل الشتاء، نلاحظ زيادة كبيرة في حالات الزكام والتهابات الجهاز التنفسي. الأطفال هم الأكثر عرضة لهذه الأمراض بسبب ضعف المناعة الناتجة عن سوء التغذية والظروف البيئية. كما أن الكثير منهم يعيشون في أماكن غير مدفأة، مما يزيد من خطر الإصابة”.
ويضيف الدكتور الحميد لنورث برس: “يجب على الآباء محاولة الحفاظ على دفء الأطفال بقدر الإمكان من خلال توفير الملابس الدافئة وتجنب التعرض للبرد لفترات طويلة. كما أن التغذية السليمة تلعب دوراً حاسماً في تقوية المناعة. وفي حال ظهور أعراض المرض، يجب مراجعة الطبيب فوراً”.
ويؤكد أن عيادته تستقبل يومياً ما لا يقل عن 30 حالة إصابة بالزكام، محاولًا تقديم العلاج والإرشاد لتخفيف الأعباء المالية على الأسر.
أما في مشفى الشحيل العام، فيشير الإداري محمود الصالح في حديث لنورث برس، إلى التحديات اليومية التي يواجهها الطاقم الطبي: “نواجه تحديات كبيرة في المستشفى بسبب نقص الموارد والكوادر. عدد المرضى يتزايد بشكل ملحوظ خلال فصل الشتاء، ونحاول تقديم أفضل رعاية ممكنة بالرغم من الصعوبات. نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يؤثر بشكل مباشر على قدرتنا على تقديم العلاج”.
ويضيف الصالح: “نقوم بتوزيع الأدوية المتاحة بشكل عادل ونحاول التعاون مع المنظمات الإنسانية للحصول على مزيد من الدعم. كما أننا نعمل على زيادة الوعي بين السكان حول كيفية الوقاية من الأمراض خلال فصل الشتاء”.
ومع بداية الشتاء في دير الزور، يبدو أن السكان، وخاصة الأطفال، يواجهون واقعاً صحياً مؤلماً يتطلب استجابة عاجلة من الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية. تعزيز الوعي الصحي، وتوفير الموارد اللازمة من أدوية ومواد تدفئة وأغذية، يمكن أن يخفف بشكل كبير من معاناة الأسر ويحسن جودة الحياة في هذه المنطقة خلال المواسم الباردة.
ويعيش آلاف النازحين في مخيمات مؤقتة بريف دير الزور في خيام وملاجئ بدائية، تفتقر إلى التدفئة والماء الصالح للشرب والخدمات الصحية، ما يجعل مواجهة الشتاء القارس تحدياً يومياً، خاصة للأطفال والنساء. ويضطر العديد من الأسر إلى جمع الحطب أو استخدام وسائل بدائية للتدفئة بسبب ندرة الوقود وارتفاع أسعاره، فيما تسجل التقارير ارتفاعًا في حالات نزلات البرد وأمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال، مع نقص واضح في الأدوية والخدمات الطبية المتاحة.
وتؤكد تقارير صحفية أن البنية التحتية في دير الزور ما تزال مدمرة جزئياً أو كلياً، بما يشمل الكهرباء والماء والمدارس والمراكز الصحية، ما يجعل العودة إلى المنازل بعد الحرب شبه مستحيلة دون إعادة تأهيل كامل.
وتشير التقارير إلى أن الجهود الإنسانية الموجودة لا تزال غير كافية لتلبية احتياجات النازحين، ما يبرز الحاجة الملحة لتوفير دعم مستدام من أجل حماية الأسر وتأمين حياة كريمة في مواجهة الشتاء القارس.