وقود مفقود وحطب غالٍ.. شتاء قاسٍ ينتظر سكان ريف حمص
حمص – نورث برس
“في بداية الموسم كنت أبيع الكيلو بين 1300 و1500 ليرة، اليوم أقل سعر صار 2000 ليرة”. بهذه الكلمات يلخّص عمر شريتح، أحد تجار الحطب في ريف حمص الشمالي، صورة موسم تدفئة مختلف هذا العام، عنوانه الارتفاع الحاد في الأسعار وضعف الإقبال من السكان، في وقت تتزايد فيه الحاجة للدفء مع اشتداد فصل الشتاء.
ويشهد ريف حمص الشمالي هذا العام ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار مواد التدفئة، وعلى رأسها الحطب، ما زاد من معاناة السكان مع بدايات البرد ووضعهم أمام تحديات معيشية قاسية.
ويوضح شريتح لنورث برس، أن موسم البيع بدأ منذ الشهر السابع بأسعار أقل مما هي عليه اليوم، إلا أن الأسعار سرعان ما ارتفعت مع دخول الشتاء، ليصبح سعر الكيلوغرام الواحد 2000 ليرة سورية في الحد الأدنى.
ويعزو شريتح هذا الارتفاع إلى تكاليف النقل المرتفعة، إذ يتم جلب الحطب من مناطق بعيدة إلى ريف حمص الشمالي، ما يضاعف كلفته قبل أن يصل إلى المستهلك.
ويؤكد أن أجور النقل وارتفاع أسعار الوقود وانخفاض مصادر التوريد جميعها عوامل انعكست مباشرة على السعر النهائي، في ظل غياب أي دعم أو بدائل متاحة تخفف الضغط عن السوق.
وخلال سنوات الحرب، اعتمد سكان ريف حمص الشمالي على وسائل تدفئة بدائية فرضتها ظروف الحصار والفقر وانقطاع مصادر الطاقة، حيث كان الحطب ومخلّفات الأشجار المصدر الأساسي للتدفئة، إلى جانب حرق الأبواب الخشبية والأثاث القديم أحيانًا في ذروة الأزمات.
أما الكهرباء، فلم تكن حلاً فعلياً بسبب الانقطاعات الطويلة وعدم الاستقرار، لتبقى التدفئة طوال تلك السنوات معركة يومية يخوضها السكان بوسائل شحيحة وخيارات خطرة، بحثًا عن الحد الأدنى من الدفء خلال الشتاء.
في المقابل، لم تعد القدرة الشرائية للسكان قادرة على مجاراة الارتفاع المتواصل. ويقول التاجر عدي الشيخ لنورث برس، إن الإقبال هذا العام “ضعيف جداً”، موضحاً أن العائلات التي كانت تشتري سابقاً بين طنين وثلاثة أطنان من الحطب استعداداً للشتاء، أصبحت اليوم تكتفي بشراء 100 إلى 200 كيلوغرام فقط.
ويضيف أن بعض العائلات لم تتمكن حتى الآن من تركيب مدافئها بسبب ضيق الحال، ما يعكس حجم الأزمة المعيشية التي تضرب المنطقة.
ومن داخل البيوت الباردة، يعبّر السكان عن عجزهم أمام هذا الواقع. فايز فطراوي من مدينة الرستن يقول لنورث برس: “ما بقدَر نشتري حطب بالطون؛ صرنا نشتري بالكيلو وغالي سعره. راتبي 200 دولار وعندي سبع ولاد؛ شو بدي ساوي؟ نجيب أكل وشرب ولا نشتري حطب؟ وما في بديل، المازوت بدو يكلف أكتر”. وهي معادلة قاسية يواجهها كثيرون بين تأمين الغذاء أو التدفئة.
أما طلال أبو وليد من مدينة تلبيسة، فيصف الحال بـ “القاسي جداً” مع بداية الشتاء، واصفاً الأسعار بـ “النار”، وأن أقل عائلة تحتاج إلى طن ونصف على الأقل للتدفئة، في وقت لا يتناسب فيه دخل معظم السكان مع هذه الكلفة.
ويضيف أن مختلف مواد التدفئة الأخرى لا تلائم دخل الفرد، ما يجعل الخيارات محدودة وسقف الاحتمال أقل.
كما استُخدم المازوت والكاز بشكل متقطع عندما كانا متوفرين خلال الأعوام الماضية، وغالبًا بأسعار مرتفعة وجودة متدنية، ما أدى إلى انتشار المدافئ المصنوعة يدوياً التي تعمل على أي مادة قابلة للاحتراق، بما فيها البلاستيك وبقايا الأقمشة، رغم مخاطرها الصحية.
وفي القرى الزراعية، لجأ السكان إلى قشّ القمح ومخلّفات الزيتون وبقايا المحاصيل كبدائل للحطب، فيما ظلّ الفحم الحجري أو النباتي خيارًا محدودًا بسبب ندرته وكلفته.
ولم تحصل نورث برس على تصريح من الجهة المسؤولة عن توزيع المحروقات حول سبب عدم توفر المازوت المخصص للتدفئة.
أمام هذا الواقع، يجد سكان ريف حمص الشمالي أنفسهم مقبلين على شتاء قد يكون الأقسى منذ سنوات. فارتفاع أسعار الحطب وغياب البدائل المناسبة، إلى جانب تراجع الدخل وازدياد تكاليف المعيشة، ينذر بموسم شتاء ثقيل على آلاف الأسر التي تكافح لتأمين الحد الأدنى من الدفء لأطفالها، في ظل غلاء لا يرحم وخيارات شبه معدومة.
وتظهر أحدث الإحصائيات أن الأزمة الاقتصادية في سوريا عمّقت من معاناة الأسر، بحيث يعيش اليوم نحو 69 ٪ من السوريين — أي حوالي 14.5 مليون إنسان تحت خط الفقر، وفق تقييم World Bank لعام 2024.
كما أن نسبة الفقر المدقع (الفقر الشديد) ارتفعت إلى نحو 27 ٪ من السكان، وهي نسبة كانت شبه معدومة قبل اندلاع الحرب.
بحسب (UNDP)، تؤكد دراسة صادرة في 2025 أن ما يقارب تسعة من كل عشرة مواطنين يعيشون تحت خط الفقر اليوم، مقارنة بفترة ما قبل الصراع حين كانت نسبة الفقر أقل من الثلث.
هذا الانهيار في مستويات الدخل وارتفاع تكلفة المعيشة مع تضخم الأسعار وتدنّي القدرة الشرائية، يجعل من أي زيادة في أسعار حاجات أساسية كالمدافئ أو الحطب عبئاً هائلاً على الأسر، التي غالباً لا تملك مناعة مالية لمواجهة مثل هذه الصدمات.