علي البكيع ـ دير الزور
في مساءٍ باردٍ من شتاء دير الزور، يقف سلام حسام عبود على عتبة منزله في حيّ العرفي، رافعاً هاتفه إلى السماء باحثاً عن إشارة مفقودة. يخرج إلى الشارع كلما أراد إجراء مكالمة أو إرسال رسالة، وكأن الاتصال بالعالم الخارجي صار رحلة يومية قصيرة محفوفة بالخيبة. هاتفه لا يلتقط شبكة داخل البيت، والباقات التي تُثقل كاهله مالياً لا تمنحه أكثر من إشارات ضعيفة ورسائل متقطعة، في مشهد يلخّص معاناة آلاف السكان في المحافظة.
وتشهد محافظة دير الزور حالة استياء واسعة في قطاع الاتصالات، مع ارتفاع متواصل في أسعار باقات الإنترنت والخدمات الخلوية، بالتوازي مع تراجع جودة الشبكة وضعف التغطية في أحياء كثيرة.
وهذا التناقض بين كلفة مرتفعة وخدمة متدنية فجّر موجة شكاوى، ودفع سكان للمطالبة بتدخل عاجل من الجهات المعنية لضبط الأسعار وتحسين الخدمة، بعدما تحولت الاتصالات إلى عبء اقتصادي ونفسي على شرائح واسعة.
بحث عن الشبكة
من حيّ العرفي، يروي سلام حسام عبود لنورث برس تفاصيل معاناته اليومية مع الإرسال الضعيف: “لا يتوفر اتصال مستقر داخل بيتي. حين أريد استخدام الهاتف أو الاتصال بأحد، أضطر للخروج والوقوف في الشارع بحثاً عن نقطة شبكة، فلا توجد تغطية في المنزل إطلاقاً”.
ويضيف بلهجة غضب أن رداءة الخدمة لا تتناسب مع الأسعار الباهظة: “أعيل عائلة وأطفالاً، ولا أستطيع تحمّل كلفة هذه الباقات. مع هذا المستوى من الخدمة، لا مبرر لما يُستنزف من دخلي، ولذلك سأقاطع هذه الشبكة وأبحث عن بدائل إن وُجدت”.
وفي حي الجبيلة، يعبّر أحمد حاج الخضر عن نفوره من واقع الاتصالات الحالي قائلاً لنورث برس: “سئمت الهاتف وكرهت هذه الشبكات التي لا تقدّم خدمة حقيقية. أدفع ولا أحصل على مقابل، وكأننا نشتري لا شيء”.
عبئ إضافي
ويؤكد أن التغطية غير فاعلة داخل الحي، فيما تتراكم الكلف: “أثقلتني الديون، ولم أعد قادراً على السداد مع تضخم الفواتير والنفقات الأساسية. هذا القطاع يلتهم جزءاً كبيراً من ميزانيتي ولا يقدّم الحد الأدنى من الجودة، ما يفاقم أزمتنا المعيشية”.
وفي حي العمال تتضاعف الأعباء على العمال من ذوي الدخل المحدود. يقول العامل حسان علي النجم لنورث برس: “أجري اليومي لا يتجاوز 30 ألف ليرة سورية، ولدي أطفال ووالدان بحاجة للمصاريف. لا أستطيع تفعيل باقات بهذه الأسعار الخيالية بالنسبة لدخلي”.
ويشرح أن أي تفعيل للباقات لساعات يكلّفه كثيراً: “قد أحتاج بين 15 و20 ألف ليرة يومياً لأدنى اتصال، أي ما يقارب ثلثي دخلي اليومي، وهذا أولى أن يُنفق على الطعام والدواء”.
والنتيجة، كما يقول، هي “صمت قسري” لهاتفه: “أتركه في المنزل ولا أحمله إلى العمل لأنني لا أقدر على كلفة التفعيل. بات الهاتف عبئاً بدل أن يكون وسيلة تسهيل”.
دعوة لكسر الاحتكار وتخفيف الأثقال
من جانب آخر، يرى أحمد جدعان العبود أن رفع الأسعار جاء في توقيت قاسٍ، قائلاً لنورث برس: “شعبنا لم يستقر بعد ويصارع لتأمين قوته اليومي، والانهيار يطال معظم القطاعات والوضع المعيشي لا يحتمل مزيداً من الضغط”.
ويطالب بفتح باب المنافسة: “نحتاج شركات بديلة تُنهي الاحتكار وتقدّم عروضاً أفضل، لتخفيف الأعباء عن المواطن في دير الزور الذي لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط”.
تراكم الشكاوى من ضعف الإرسال وغلاء الأسعار يكشف خللاً بنيوياً يستدعي حلولاً سريعة. فالهاتف في دير الزور لم يعد ترفاً، بل شريان تواصل أساسي في ظروف معيشية قاسية. وبين شوارع يبحث فيها المواطنون عن إشارة، وبيوت تختنق بالفواتير، تبقى الآمال معلقة على قرارات تعيد للاتصال معناه البسيط: خدمة مستقرة بسعرٍ يمكن احتماله.
وفي تشرين الثاني 2025، أعلنت شركتا سيريتل وMTN عن إطلاق باقات واتصالات جديدة مع رفع كبير في الأسعار حيث ألغيت الباقات اليومية والساعية التي كان يعتمد عليها الطلاب والعمال، وصار عدد باقات الإنترنت محدداً في نحو 15 باقة فقط بدلاً من حوالي 200 سابقاً.
وارتفعت تكلفة الباقة اليومية من 500 ليرة سورية إلى نحو 6,000 ليرة، فيما تجاوزت بعض الباقات الشهرية مئة ألف ليرة، ووصلت باقات الاشتراك العالي إلى 300,000 ليرة حسب فئة الاستخدام.
وأثار القرار استياءً واسعاً بين السوريين الذين رأوا أن هذه الزيادة “خطوة جائرة” في ظل تردّي جودة الخدمات، ونقص التغطية، وانخفاض القدرة الشرائية وسط أزمتهم الاقتصادية.