مزارعو الرقة يواجهون معضلة تصدير النعناع والملوخية

زانا العلي – الرقة

يقف عبد الله، وهو مزارع من ريف الرقة، أمام جذور النعناع المتراكمة في أرضه هذا الموسم، ويروي كيف تحوّل “الجدل” الذي كان يُباع ويُنقل لزراعته في أراضٍ أخرى إلى عبء يبحث عمّن يزيله.

الجدل هو جذور النعناع التي تُقتلع وتُنقل لحقول جديدة لتعاود النمو دون بذار، وكان مصدر دخل إضافي للمزارعين. لكن انهيار الأسعار ومنع التصدير جعلاه هذا العام بلا قيمة تقريباً.

تكدس

قصة عبد الله الأحمد 35 عاماً، تعكس موسماً مريراً يواجهه مزارعو الرقة، بين وفرة الإنتاج وتكدّس النعناع والملوخية وإغلاق طرق التسويق، ما دفع كثيرين للتفكير بترك حقولهم وسط غياب أي حلول قريبة.

يقول الأحمد إن الكميات المتوفرة من النعناع والملوخية باتت تفوق حاجة السوق المحلية بشكل كبير، موضحاً: “إذا جبنا طن واحد من النعناع المطحون نوزّعه على الرقة كلها، وكل بيت يأخذ 500 غرام، يكفي وزيادة. الاستهلاك المحلي خمسة أطنان فقط تكفي الرقة كلها، بينما نحن ننتج كل أربعين يوماً حوالي 100 طن نعناع في منطقة الكسرات بريف الرقة الجنوبي”.

ويضيف أن المزارعين يمتلكون حالياً بين 250 و300 طن من النعناع الجاهز للتصدير، إضافة إلى كميات كبيرة ما تزال في الحقول، بينما انتهى موسم الملوخية بالكامل وأصبحت يابسة ومكيسة عند المزارعين.

يؤكد المزارع أن سعر النعناع بأرضه يتراوح بين 50 سنتاً إلى دولار واحد للكيلوغرام، أي ما بين 500 لـ 1000 دولار للطن حسب النوعية، بينما تُباع الملوخية بين 3 و5 دولارات للكيلوغرام.

أما خارج سوريا، فتصل الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير: النعناع: من 3500 دولار للطن وما فوق. بينما الملوخية: تبدأ من 5 دولارات للكيلوغرام في دول الجوار مثل لبنان، الأردن، العراق ودول الخليج. لكن ممنوع نصدّر، يضيف المزارع بحسرة.

المعابر المغلقة

يشير عبد الرحمن العبود إلى أن هيمنة مجموعة صغيرة من التجار تُعد سبباً رئيسياً في الأزمة، قائلاً: في مناطقنا معروفين… أربعة أو خمسة تجار فقط، وهم متفقون ولا يدفعون أكثر من بعضهم.

ويضيف أن الحكومة تمنع التصدير، والتجار الذين يحاولون تهريب البضائع يتحججون بالغرامات إذا تم توقيفهم من قبل حواجز الحكومة السورية، بحسب قوله.

يروي العبود حادثة قريبة حدثت مع أحد اقربائه الذي حاول إدخال خمسة أطنان من النعناع إلى مناطق سيطرة القوات الحكومية قبل ما يقارب من ثلاثة أشهر.

يقول: إن قوات سوريا الديمقراطية سمحت له بالخروج، وعند وصوله إلى أول حاجز حكومي سمحوا له بالدخول على طريق الطبقة أثريا ولكن الحاجز الثاني قام بتوقيف وأخبره حرفياً: أنت جاي ببضاعة من “قسد” وممنوعة لانو نحن محاصرينهم”، بحسب قوله.

ويتابع: “كتبوا عليه ضبط وكانت الغرامة أربعين ألف دولار. بعد نقاشات ومبالغ مالية دفعها، تركوا بضاعته بعد ثلاثة أيام، وقالوا له: هاي آخر مرة”، بحسب قوله.

ويشير منذ تلك الحادثة لم يصدر أي مزارع بضاعته خوفاً من الغرامة لأنها تضرب بخمس اضعاف الحمولة بالشاحنة مثلا إذا كنت محمل كمية تصل قيمتها إلى 10 آلاف دولار ستدفع غرامة 50 ألف دولار. 

خسائر متراكمة… ومحصول مهدد بالتلف

يشرح المزارع أن موسم النعناع شارف على نهايته، قائلاً: النعناع للراس الشهر ينتهي موسمه”.

ويضيف أنه جهّز كميات كبيرة مغربلة وجاهزة تتحمل سنة واحدة فقط، وبعدها يصبح اسمها “حايل”. فاللون يتغير، والرائحة تضعف، ويباع بنصف قيمته إذا لقيت حدا يأخذه.

ويؤكد أن النعناع الذي لا يُباع قبل نهاية الشهر الـ12 يصبح فعلياً تالفاً تجارياً.

ويشير المزارع إلى أن سهولة هذه الزراعة وسرعة مردودها كانتا السبب الرئيسي في انتشارها مثلا كل شهر ونص يجيك مردود. 1500 دولار ألف مصروف و500 مربح. لكن هذا الربح “راح حالياً لأنه ممنوع التصدير”.

ويشير إلى أن 70% من الأراضي الفارغة العام الماضي زُرعت بالنعناع بدلاً من القمح والشعير، لأن الدونم كان يحقق سنوياً نحو 1000 دولار، وكان الطريق مفتوحاً والتجارة نشطة.

ولكن “فجأة أغلقوا المعابر… وممنوع تجيب البضاعة من مناطق قسد، وهي مناطق محاصرة”.

يقارن المزارع بين الوضع الحالي والفترة التي سبقت سقوط النظام في المنطقة: كان التاجر يأخذ مني 1.45 دولار امريكي. يغرّبل ويكيّس ويبيع بـ1.60، ويدفع غرامة للفرقة الرابعة، ومع ذلك كان يربح”.

أم اليوم ما عنا فرقة رابعة، والطريقة ما اختلفت… بس الحكومة تمنع التصدير”. بالتالي نحن نخسر، يضيف المزارع.

ويؤكد أنه اضطر مؤخراً إلى البيع بسعر 800 دولار للطن رغم أن السعر الطبيعي يجب أن يكون 1300 دولار.

يقول المزارع إن أغلب الناس “تركت الجدل”، وإن المزارعين باتوا يطلبون فقط خذ الجدل ونظّف الأرض بدون مصاري، بسبب عدم اليقين تجاه الموسم المقبل.

والجدل هو الجزء السفلي من نبات النعناع بعد قصّ الأوراق وتجفيفها، ويتبقى على شكل سيقان متشابكة تُعدّ بقايا الزراعة بعد الحصاد.

ويضيف المزارع في المواسم السابقة كان المزارعون يبيعون الجدل إذ كان سعر الدونم منه يصل إلى نحو 175 دولاراً. أما هذا العام، ومع انهيار أسعار النعناع وصعوبة تصريف المحصول، أصبح المزارعون يعرضون الجدل مجاناً، طالبين فقط من الآخذ أن يُنظّف الأرض للتخلص منه.

ويقول: “الناس ما تعرف شو رح يصير السنة الجاية… الأسعار ميتة و70 بالمية من المزارعين تركوا هذه الزراعة لأننا نتعذب بدون نتيجة”.

تحرير: معاذ الحمد