عاد من الموت حيّاً: حكاية الرقم 103 من صيدنايا

نالين علي – القامشلي

لم يكن خروجه من بوابة سجن صيدنايا مجرد لحظة حرية، بل لحظة بعث من جديد. حين خرج عمار سعيد إلى الضوء، لم يكن متأكداً إن كان حياً حقاً، أو ما يراه امتداد لحلم ثقيل لم ينتهِ. بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال يقف أمام ذكرياته كما لو كانت بوابة السجن لم تُغلق بعد.

“إلى الآن.. لا أصدق أنني خرجت حيّاً من هناك”، يقولها لنورث برس وهو يتأمل يديه، كمن يبحث فيهما عن دليل على أنه خارج.

عمار، الصيدلاني القادم من قرية دلاوية في ريف القامشلي، لم يكن سياسياً، لم يحمل شعاراً، ولم يهتف في مظاهرة. كان يحمل وصفات طبية وأسماء مرضى، وأحلاماً صغيرة لطفلين ينتظران العيد. كان يحاول النجاة كما يفعل ملايين السوريين: بالسفر، أو بالأمل، أو بالانتظار.

وفي 2020 و2021، فكّر بمغادرة البلاد. الحرب أغلقت الأبواب، والوظيفة لم تعد تكفي الحياة، لكن أوروبا لم تكن قدره، وبقي بطموحه في صيدليته الصغيرة، يفتح الباب كل صباح على ذات الأسئلة.

ولم يكن يعلم أن تقريراً كتب عنه في الخفاء سيحوّله من صيدلاني إلى “إرهابي” على الورق، ومن أب إلى معتقل في الواقع. حينها قرر أن يغادر، فبلاد لا تتركك حياً، قد تدفعك للموت خارجها.

لكن الموت كان أقرب مما ظن. يقولها عمار وهو يتنهد.

في مساء رمضاني هادئ، اتصلت به زوجته: “اشتري للأطفال حاجيات العيد”. خرج بدراجته النارية، تجنّب الحواجز، سلك الطريق الترابي، أراد فقط أن يعود بثياب العيد. لكن الليل كان كميناً، والعتمة لم تكن سوى مقدمة لضرب بلا سبب. هاجمه رجال بلباس مدني، سقط، صرخ، توسّل أن يعرف لماذا… دون جواب.

ثم جاء الضوء الأبيض. سيارة عسكرية، رجل برتبة مساعد عسكري يُدعى “أبو طارق”، بندقية فوق الرأس، ولكمات إضافية فوق الجرح. بعدها، اختفى عمار من الحياة كما يختفي اسم عن صفحة سجل.

وفي مفرزة الدبانة خيط شاب جرحه دون مخدر. بعد عشرة أيام من الضرب، التحقيق، الإهانات، نُقل إلى دمشق. ومن هناك بدأ التيه الحقيقي: “من فرع… إلى فرع… إلى فرع. دون ملف قضائي، دون محامٍ، ودون سؤال. وفي النهاية: سجن صيدنايا”.

وهنا؛ انتهى اسمه. صار الرقم 103. يقول عمار “لم يعد أحد يناديني عمار… كنت رقماً يُسحب ويُعاد، ويُنسى”.

وفي المهجع، خمسمئة جسد في غرفة واحدة. بلا مساحة. بلا هواء. بلا ثياب. كانوا يجلسون ملتصقين كأنهم كيان واحد يتألم، أو كأن السجن قرر أن يختزلهم في كتلة واحدة من الوجع.

ويصف بنبرة يملئها الحزن: “الأيدي مربوطة بسلاسل حديد. كل خمسين شخصاً مربوطون ببعضهم كقطار بشري. الحديد أكل الجلد، والألم استقر في العصب. حتى اليوم، ما تزال آثار القيود ماثلة على يديه… ندوباً دائمة على جسدٍ خرج… وروحٍ لم تخرج بعد”.

يضيف: “كنا نعيش بلا زمن… لا نعرف اليوم من الأمس، ولا الغد من الأمس، كنا نعرف فقط الليل… لأنه وقت الخوف”.

في صيدنايا، الموت ليس مفاجأة، بل نظام حياة. سجين يُسحب ولا يعود. صوت صراخ لا يُعرف صاحبه. جسد يختفي كأنه لم يكن. “كنت متأكداً أنني سأموت هناك؛ لم أتخيل يوماً أنني سأرى أطفالي مجدداً”، يقول الرجل.

وقبل أيام من سقوط النظام، تغيّرت الوجوه داخل السجن. صارت أكثر حذراً. أقل صراخاً. كأن السجّان نفسه بدأ يخشى الزمن.

ثم انفتح الباب ذات ليلة. لم يكن شروقاً… بل قيامة، بحسب ما يصف عمار. “ولم نسمع سوى بشار سقط… بشار سقط”.

صرخة مرت كريح فوق الزنازين. لم يصدقوا، لم يهلّلوا، لم يبكوا. وقفوا في الصمت، لأن التصديق كان أصعب من السجن. يقول عمار: “كنت أظن أن الله سيأتي يوم القيامة قبل أن يسقط بشار الأسد”.

لكن الأسد سقط وفتح الباب

في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، خرج الرقم 103 من الظل. ساعدهم غرباء، أعطوهم ثياباً وهواتف، وأخباراً من عالم نسيهم. أول اتصال كان بالعائلة، وكان البكاء هو اللغة الوحيدة الممكنة.

يقول: “حين عانقت أطفالي؛ شعرت أنني أخرج من قبر”. ويعتبر هذا التاريخ ميلاده الحقيقي، عمراً ثانياً لم يكن مخططاً له، لكنه جاء بعد أن دُفع ثمنه سنوات من الألم.

واليوم، لا يتحدث عمار عن السياسة بقدر ما يتحدث عن الكرامة، ولا يطالب بالانتقام بل بالمحاسبة. “نريد محاكمة بشار الأسد أمام الشعب السوري، لا محكمة أجنبية… نحن من دفع الثمن، ونحن من يملك الحق”.

ويختم بتمني لا يحمل ضجيجاً، بل شفاءً: “نريد سوريا لا تُرقّم أبناءها.. بل تناديهم بأسمائهم”، هذا ما ينهي به عمار حديثه، بعد أن عاد إلى الصيدلية، إلى مهنته، إلى الناس، وإلى اسمه الذي نُزع منه عامين وأُعيد مع سقوط جدار الخوف.

تحرير: معاذ الحمد