سوريا بعد عام.. مرحلة انتقالية غير مستقرة وتحديات سياسية واقتصادية وأمنية

القامشلي – نورث برس

يرى سياسيون وباحثون أن سوريا، بعد عام على سقوط النظام السابق، تقف أمام مشهد معقد من التحولات السياسية والدستورية والاجتماعية والاقتصادية، فيما لا تزال ملامح المرحلة الانتقالية غير مستقرة أو مكتملة.

ويعتبر البعض أن الحكومة السورية الانتقالية ما تزال محصورة ضمن نطاق سياسي ودستوري ضيق رغم تعدد المحطات التي شهدتها البلاد خلال العام، في حين يواجه الاقتصاد درجة عالية من الهشاشة نتيجة انهيار العملة والاعتماد المتزايد على الاستيراد والتبرعات.

وفي المقابل، يشير آخرون إلى أن الحكومة السورية الانتقالية اتخذت خطوات محدودة يمكن وصفها بالمعقولة، إلا أن العديد من الملفات على المستويات الأمنية والإدارية ومسارات الحوار لا تزال عالقة.

خمسة قطاعات أساسية

يقول أنس جودة، رئيس حركة البناء الوطني، إن تقييم الواقع السوري بعد مرور عام على سقوط النظام السوري السابق يتطلب تحليل خمس مساحات وخمسة قطاعات أساسية ليكون التحليل منصفاً، وهي القطاع الانتقالي الدستوري والمساحة الانتقالية الدستورية، الواقع الاقتصادي، الواقع الاجتماعي، الواقع الأمني، والواقع الإقليمي المتراكم مع الحالة السياسية بطريقة أو بأخرى.

ويُضيف السياسي السوري في تصريح لنورث برس، أن الواقع الدستوري اليوم شهد خمس محطات أساسية قامت بها السلطة: مؤتمر مصر، مؤتمر الحوار، الإعلان الدستوري، الحكومة، والاختيارات البرلمانية.

 ويبين أن هذه المحطات الخمس كانت واضحة بشدة، حيث يتعلق الموضوع بحصر السلطة بالكامل، أو حصر كل السلطات والصلاحيات بيد السلطة السياسية والتنفيذية عملياً بطريقة ضيقة جداً، حتى بالمعنى الإيديولوجي.

ويقول جودة إن الحديث عن تمثيل الأغلبية في هذا السياق يعني تمثيل ضيق جداً ضمن إطار أغلقت فيه السلطة الباب بالكامل على أي مساحات للحوار، سواء للشراكة أو على مسارات داخلية وإقليمية مع المناطق، مع التمثيلات الموجودة فيها، أو حتى مع الأحزاب والقوى العابرة لهذه التمثيلات.

مرحلة انتقالية

يقول، زيدون الزعبي، الباحث السوري في قضايا الهوية والحوكمة، إن الوضع في البلاد “ليس كما نتمنى وليس كما كنا نخشى”.

ويضيف الزعبي في تصريح لنورث برس: “سوريا تعيش حالياً مرحلة انتقالية بكل معنى الكلمة تجمع بين مؤشرات إيجابية وأخرى مثيرة للقلق”.

ويشير إلى أن المرحلة تشهد “آمالاً وقلقاً”.

واقع اقتصادي هش

يرى السياسي السوري، أنس جودة، أن الواقع الاقتصادي هام “وهو واقع هش جداً نتيجة فتح البلاد بالكامل للاستيراد، وانهيار العملة الوطنية، والاعتماد على العملة الأجنبية بالكامل حتى بالمعنى الرسمي، ما يجعل الحديث عن دولرة الاقتصاد واقعياً، والاعتماد في نهاية الأمر، وخاصة في الأشهر الأخيرة، على اقتصاد التبرعات، وهو اقتصاد سياسي بالكامل يعيد إنتاج منظومة السلطة والهيمنة، وحتى إعادة تدوير المال الذي كان موجوداً في الحرب”.

ويضيف: “معظم الاتفاقات والمؤتمرات التي صورت على أنها تعاقدات هامة مع شركات اتضح أن أغلبها شركات وهمية، ما يجعل بنية الاقتصاد منهارة بالكامل وهشة، طبعاً بغياب الدعم للقليل مما كان يُقدم للفئات الاجتماعية، والتي انهارت تماماً مع تسريح الموظفين”، وفق قوله.

واقع أمني مقلق

ويبين أن الواقع الأمني هو الأخطر، حيث إن الأجهزة الأمنية التي أعيد بناؤها غير واضحة المعالم، فلا يوجد وضوح في سلسلة القيادة، ومن يديرها ومن يتعامل معها، ويقول: “الجيش غير موجود بالمعنى التقليدي، وأن القوى الأمنية العامة مبنية على إيديولوجية واضحة وواحدة، غير قادرة على فرض الأمن أو إحداث حالة توافق بين السوريين”.

ويشير جودة إلى “العنف الذي رافق أحداث السويداء والساحل مؤخراً، والجرائم التي لم تستطع السلطة أو الأجهزة المحلية ضبطها”.

 ويقول إن “المحاولات الأخيرة لضبط العشائر في حمص كانت محاولة أخيرة لتفادي وقوع السلطة في فخ ثالث بعد فخين سابقين للفزعات والمجازر”.

خطوات معقولة

 يرى زيدون الزعبي “أنه في هذه المرحلة يجب أن يتم تحديث في التوافقات السياسية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، رغم أنها لم تتجذر بعد”.

 ويوضح أن المرحلة التي عقبت سقوط النظام السوري السابق شهدت “انقطاعات” مثل ما حدث في الساحل والسويداء، إضافة إلى انقطاع الحوار بين دمشق والسويداء، الأمر الذي وصفه بأنه “يدعو للقلق”.

ويقول الزعبي: “سوريا ما تزال بحاجة إلى الكثير على مستوى الحوكمة وكذلك على مستوى الحوار وفي الوقت نفسه هناك خطوات ملموسة ومعقولة جداً قد تم تحقيقها”، وفق تعبيره.

 الواقع الاجتماعي والإقليمي

 يرى أنس جودة أن “الواقع الاجتماعي يعاني انفجاراً طائفياً واضحاً، وأن الصراع المجتمعي الأخطر اليوم على سوريا أصبح واضحاً، حيث انهارت المجتمعات السورية، وصار العداء واضحاً بالكامل، مع الانفجار الطائفي، وانعدام الثقة بالهوية الوطنية، وانعدام التفكير بالهوية الوطنية”.

ويضيف: “على المستوى الإقليمي تشهد البلاد صراعاً واضحاً بين القوى الإقليمية المتدخلة في الحالة السورية، “تركيا والسعودية وإسرائيل، وأحياناً فرنسا وروسيا والإمارات، تحاول جميعها أن يكون لها دور أو حصة في الواقع السوري، مع التركيز على الصراع التركي الإسرائيلي، والهجمات الإسرائيلية والتدخلات المختلفة”.

ويقول: “نحن أمام حالة انقسام مجتمعي عميق قد تتحول إلى صراع، ما لم يتم ربط المستويات من الأسفل إلى الأعلى بعقد اجتماعي وطني جديد، وتحقيق انتقال سياسي تشاركي يثبت الأرضية الأساسية نحو الأعلى، لا أن تكون الشرعية قادمة من الأعلى نحو الأسفل”، وفق تعبيره.

إعداد وتحرير: عبدالسلام خوجة