السويداء بعد عام على سقوط الأسد: بين حلم الحرية وواقع الانقسام

هارون عربيد – السويداء

تختلف السويداء بعد السقوط عما كانت عليه سابقاً، سواء في طبيعة الشعارات أو في المطالب. خصوصاً بعد أحداث تموز والهجوم الذي شنته القوات الحكومية على المحافظة وأعقبه هجوم العشائر، والذي أسفر عن مقتل نحو 4000 شخص وفق تقديرات محلية غير رسمية.

يقول طارق أبو حمدان، وهو ناشط مدني من السويداء، لنورث برس إلى أن “المخاوف كانت كبيرة لدى السكان من انتقال السلطة إلى جهة متشددة”.

لكنه يوضح أن جزءاً منهم فضل منح فرصة لإحداث تغيير حقيقي طالبت به الثورة منذ بدايتها: “الحرية، الديمقراطية، العدالة، المساواة، وتحسين الوضع الاقتصادي وإعادة سوريا إلى مكانتها”.

ويضيف أبو حمدان أن أي من هذه الأهداف لم يتحقق بعد مرور عام على سقوط النظام، مشيراً إلى أن الحكومة الجديدة حاولت فرض السيطرة على المحافظة الجنوبية بطرق قوية، وأن غياب إطار قانوني فعّال حال دون تحقيق خارطة طريق واضحة: “الحل يكمن في لجنة تحقيق دولية توثّق الانتهاكات، مع محاكمة المسؤولين وفق القانون الدولي، وليس عبر منظومات محلية”، بحسب قوله.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية عن خطة من ست خطوات لمعالجة أزمة السويداء، بدعم أمريكي وأردني، تشمل محاسبة المعتدين، ضمان تدفق المساعدات، تعويض المتضررين، ترميم القرى، إعادة الخدمات الأساسية، وكشف مصير المفقودين، بالإضافة إلى إطلاق مسار مصالحة محلي.

لكن اللجنة القانونية العليا في السويداء والتي تشكلت مؤخراً، رفضت البيان، معتبرة أنه يمثل محاولة للتنصل من المسؤولية و”تكريس سياسة الإفلات من العقاب”، مؤكدة أن أي حلول تُفرض من خارج المحافظة لن تكون ملزمة للسكان، الذين يرون أن تقرير مصيرهم هو حق حصري لهم.

بالمقابل يرى مراقبون إلى أن هذه الخطة تحمل مؤشرات توافق إقليمي ودولي للمرة الأولى، ما قد يمنحها وزناً سياسياً مختلفاً عن المبادرات السابقة.

انسداد سياسي وتدهور إنساني

نجيب أبو دهن، ناشط مدني آخر، يصف لنورث برس الوضع الحالي بأنه يشهد انسداداً سياسياً، مع استمرار الحصار والأزمات الأساسية: “لم يُنفَّذ شيء. الحصار مستمر، أزمات المياه والكهرباء والإنترنت على حالها، عشرات المختطفين، القرى المحتلة، والمقابر الجماعية، الوضع مزرٍ ولم نلمس أي تقدّم”، بحسب قوله.

ويحذر من تكرار التجارب السابقة التي أثرت على الأقليات، مؤكداً رغبة السكان في بناء دولة علمانية تحمي الجميع، قائلاً: “مطالبنا واضحة: تحرير الأرض، تحرير المختطفين، وإنهاء سلطة الأمر الواقع في دمشق”.

ويشير أبو دهن إلى أن ما يحدث في مناطق أخرى من البلاد، مثل ريف حمص والساحل، يعكس انتشار أفكار متشددة تهدد التنوع المحلي، مما يعزز الحاجة إلى حماية المجتمع المحلي وصون علمانيته.

“بين الحرية والاستقلال”

الشاعر أنور نصر يضع الأحداث في إطار أوسع، ويتحدث عن “صدمة” بعد سقوط النظام: “ثرنا من أجل الحرية المقرونة بالديمقراطية، لا من أجل إعادة إنتاج الاستبداد. فرحنا بسقوط الطاغية، لكننا صدمنا بسلطة جديدة غير شرعية”، بحسب قوله.

ويضيف نصر لنورث برس: “بعد المجازر لا توجد كلمة تصف ما حدث. نحن مصرّون على الاستقلال، وإن تأخر، فسنظل في الساحة حتى يتحقق”، في إشارة إلى ساحة الكرامة التي المشهورة بالوقفات الاحتجاجية والمظاهرات منذ سنوات.

ويعتبر أن الكونفدرالية قد تكون حلاً مؤقتاً، لكنه يشدد على أن الهدف النهائي هو الاستقلال، داعياً المجتمع الدولي للوقوف مع “أبناء جبل الباشان” في مطالبهم بالحرية والكرامة، وفقاً لوجهة نظره.

وتشهد السويداء اليوم مرحلة حرجة بين واقع أمني وسياسي مضطرب، وبين أصوات محلية تطالب بالمحاسبة والحماية الدولية. وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل المحافظة مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب رؤية واضحة لما بعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول من العام الماضي.

تحرير: معاذ الحمد