عام على سقوط الأسد.. هل تتجه سوريا من المحور الشرقي إلى الغربي الأميركي؟
القامشلي – نورث برس
يرى محللون أن سوريا شهدت بعد سقوط النظام السابق مرحلة تحول سياسي عميق أعادت تشكيل موازين القوى داخليًا وإقليميًا.
ووفق متابعين للشأن السوري، يُنظر إلى هذه المرحلة على أنها أكثر من مجرد تغيير وجوه في السلطة، فهي تمثل انهيار نموذج حكم قائم لعقود على التحالف مع محور محدد، والاعتماد على منطق أمني مغلق، واستخدام الخطاب السياسي كغطاء لعزلة داخلية وخارجية.
وفي الوقت ذاته، يرى البعض أن هناك حاجة ملحة للخروج من منطق المحاور الجامدة والبحث عن سياسة خارجية جديدة قائمة على البراغماتية والتوازن بدلًا من الشعارات.
ويشير متابعون إلى أنه بعد سقوط النظام السابق، انتقلت سوريا في ظل سلطة الحكومة الانتقالية من المحور الشرقي إلى المحور الغربي الأميركي، ما أتاح لها فرصًا جديدة للتواصل مع القوى الدولية والإقليمية وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية.
مرحلة جديدة وخيارات دولية
يقول ديميتري بريجع، وهو محلل سياسي روسي، إن سقوط النظام السوري السابق لم يكن مجرد نهاية مرحلة في التاريخ السوري، بل كان زلزالًا سياسياً أعاد تشكيل موازين القوى داخل سوريا وفي الإقليم كله.
ويضيف في تصريح لنورث برس: “نحن أمام لحظة تحوّل لا تعني فقط تغيير الوجوه على قمة السلطة، بل انهيار نموذج حكم كامل قام لعقود على التحالف مع محور محدد، والارتهان لمنطق أمني مغلق، واستخدام خطاب الممانعة غطاء لعزلة داخلية وخارجية”.
ويشير بريجع إلى أن هذا النموذج أجبر سوريا على الخروج من منطق المحاور الجامدة والبحث عن صيغة جديدة للسياسة الخارجية تقوم على البراغماتية والتوازن بدلًا من الشعارات والمزايدات، ويوضح أن المرحلة الجديدة تتطلب قراءة معمقة للمشهد الدولي والإقليمي.
صورة معقدة
يقول بريجع: “في المرحلة الجديدة لا يمكن اختزال المشهد بالقول إن سوريا انتقلت ببساطة من المحور الشرقي إلى المحور الغربي الأميركي، فالصورة أكثر تعقيدًا، البلاد المنهكة من الحرب تحتاج إلى انفتاح جدي على الولايات المتحدة وأوروبا من أجل رفع العقوبات وإعادة إدماج الاقتصاد السوري في المنظومة المالية العالمية وجذب الاستثمارات والتقنيات اللازمة لإعادة الإعمار”.
ويبين: “سوريا لا تستطيع تجاهل وجود روسيا وإيران وتركيا في ملفات الأمن والحدود والطاقة واللاجئين، ولا يمكن شطب هذا الحضور بجرة قلم، لأن هذه القوى ما زالت تملك أوراق تأثير ميدانية وسياسية واقتصادية لا بد من التعامل معها بعقلانية”.
ويشير المحلل الروسي إلى أنه “لم يعد مقبولاً في سوريا الجديدة أن تُربط الخيارات الدولية بخطاب شعاراتي عن محور ثابت ضد محور آخر، بل ينبغي أن تُبنى العلاقات الخارجية على أساس مصلحة وطنية دقيقة تُقاس بلغة الأرقام، حجم الاستثمار، وتيرة إعادة الإعمار، تحسين مستوى المعيشة، خلق فرص العمل، واستعادة دور الدولة ومكانتها في الإقليم”.
ويوضح أن هذا يتطلب “انفتاحًا حقيقياً على واشنطن من موقع الشريك القادر على التفاوض، لا من موقع التابع، وفي الوقت نفسه إعادة تعريف العلاقة مع موسكو وطهران وأنقرة لتكون علاقة دولة بدول، لا علاقة ساحة مفتوحة لقوى نفوذ تتصرف فوق الأرض السورية”.
تجربة الدول الصغيرة والدرس السوري
يقول سمير أبو صالح، وهو محلل سياسي سوري، إن فهم واقع الدول الصغيرة يكشف الحاجة المستمرة إلى دعم من قوى أكبر، وهذه الحاجة أساسية لتحقيق استقلالها وتعزيز اقتصادها، وهذه القاعدة التاريخية ساهمت في تشكل محاور وتحالفات دولية عبر الزمن.
ويضيف في تصريح لنورث برس: “هذه المحاور كانت أداة الدول الكبرى لاحتواء الدول الصغيرة على أرضية المصالح المشتركة، وفي الوضع السوري الحالي يختلف، إذ أن عامل الثورة هو صاحب القرار، وبعيداً عن المصالح المشتركة التقليدية، الانتقال السوري من معسكر الدول الشرقية والانزياح المدروس على خلفية عقائدية باتجاه المعسكر الغربي يأتي نتيجة عقائدية الثورة نفسها، بغض النظر عن التحول العميق”، وفق تعبيره.
ويبين أبو صالح أن “الدولة السورية ممثلة بالرئيس أحمد الشرع حددت أهداف هذا التحول تحت حاضنة سياسية واضحة، عمادها وأساسها مصلحة الشعب السوري، في سياق متوازٍ بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، والعكس صحيح أيضاً”، وفق تعبيره.
تحوّل الفاعلين في السياسة الخارجية
يقول ديميتري بريجع إن سقوط النظام السوري لم يكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل أثّر أيضاً في بنية صناعة القرار، مشيراً إلى أن سقوط النظام فتح الباب أمام دخول أصوات جديدة من دبلوماسيين وخبراء واقتصاديين وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني إلى ملف السياسة الخارجية، مما يمكن أن يحوّلها من أداة حماية سلطة ضيقة إلى أداة لخدمة مشروع وطني أوسع.
ويضيف أن سوريا تحاول الاستفادة من التنافس بين القوى الإقليمية والدولية بدلاً من أن تكون مجرد مسرح لهذا التنافس، فهي تتقارب مع الدول العربية القادرة اقتصادياً، وخاصة في الخليج، لفتح قنوات دعم واستثمار وشراكات طويلة الأمد، وتستخدم علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة للحصول على التكنولوجيا والتمويل والخبرات، وفي الوقت نفسه تحافظ على مستوى محسوب من التواصل مع روسيا وإيران وتركيا والصين، بما يمنع عزلها عن أي معادلة إقليمية كبرى.
مهمة غير سهلة
ويرى بريجع أن هذه المهمة ليست سهلة، لكنها الطريق الوحيد لبناء استقلالية حقيقية في القرار السوري بعد عقود من الارتهان لمحور واحد.
ويقول: “سقوط نظام الأسد لم يكن خط النهاية، بل خط البداية لمرحلة أصعب وأعمق، إنها مرحلة البحث عن صيغة لدولة لا تريد أن تكرر مأساة التبعية القديمة، ولا أن تستبدل محوراً بآخر دون تغيير في الجوهر، إذا نجحت النخب الجديدة في ترسيخ منطق التوازنات الذكية واستغلال كل نافذة انفتاح من موقع الندية والمصلحة الوطنية، يمكن لسوريا أن تولد من جديد كدولة مستقلة القرار تستثمر علاقاتها الخارجية لخدمة شعبها، أما إذا أعيد إنتاج منطق المحاور نفسه بوجوه وشعارات مختلفة، فسيكون سقوط النظام مجرد حلقة في سلسلة أزمات أطول”.
بينما يقول سمير أبو صالح إن “الإعلان عن استقلال القرار السوري وعدم انزياحه لأي طرف هو نهج ثوري حقيقي ينسجم مع شعارات الثورة، والقول والعمل لاستقلالية القرار كدولة يمثل نموذجاً متقدماً، تصبح خلاله الادعاءات باطلة إذا ما بعدت عن الإعلان الرسمي للعهد الجديد، فلا غربية ولا شرقية، بل توازن محسوب وثبات من أجل تحقيق مصالح الوطن العليا”، وفق قوله.