صفاء سليمان – اللاذقية
في ممرّات مشفى جبلة الوطني كانت رشا حسن أسعد تحاول تهدئة آلامها وهي تستعدّ لوضع مولودها الثالث. لم تكن الأوجاع وحدها ما يثقل عليها، بل العبء المادي ما دفعها لاختيار المشفى الحكومي بدل الخاص. فتكلفة الولادة القيصرية في المشافي الخاصة بمدينة اللاذقية تتراوح بين 2 و5 ملايين ليرة سورية، وهو مبلغ “لا قدرة لي على دفعه” تقول رشا لنورث برس.
قصة رشا ليست استثناءً، بل تكشف أزمة متفاقمة في القطاع الصحي باللاذقية، حيث ترتفع تكاليف عمليات الولادة بشكل غير مسبوق وسط تدهور اقتصادي يعيشه السكان، ما يضع الكثير من الأزواج أمام خيار صعب في لحظة لا يمكن تأجيلها.
موانع في الحكومي .. وكلف باهظة في الخاص
ورغم ارتفاع الأسعار في القطاع الخاص، تواجه النساء الحوامل عقبة إضافية تتمثل في رفض بعض المشافي الحكومية استقبال الحوامل اللواتي يلدن للمرة الأولى، بحجة أنها مراكز معتمدة للولادات الطبيعية فقط. هذا على الرغم من افتقار هذه المشافي لمعدات وتجهيزات طبية أساسية، وفق شهادات السكان.
يقولالدكتور علي بليدي، وهو مسؤول قسم التوليد والنسائية في مشفى جبلة الوطني، لنورث برس إن المشفى “يستقبل حمل الخروسات (الحمول الأول)” ويشجع على الولادة الطبيعية، باستثناء الحالات الخاصة مثل “الخروس المقعدي” أو أي سبب طبي يفرض إجراء عملية قيصرية.
ويضيف بليدي أن للولادة القيصرية “اختلاطات كبيرة”، منها احتمال حدوث نزيف شديد أو إنتان أو التصاقات قد تؤدي لاحقاً إلى العقم، محذراً من تزايد الاعتماد عليها دون حاجة ضرورية.
ويشير إلى مشكلة تواجه الكادر الطبي، إذ إن القسم صغير والأسِرّة محدودة، ما يجعل اللجوء إلى تحريض الولادة للخروسات أمراً صعباً: “أحياناً مريضة واحدة قد تشغل القسم كاملاً لعدم توفر مقيمين ذوي كفاءة عالية”.
المريضة رشا حسن أسعد ليست الوحيدة التي اضطرت للتوجه إلى المشفى الحكومي.
رنا عمار، التي أنجبت طفلها الثاني في مشفى جبلة الوطني، تقول لنورث برس، إنها خاضت ولادة طبيعية “بعد مغص وعذاب شديد”، لكنها لم تملك خياراً آخر: “تكلفة العملية في الخاص بين 3 و5 ملايين (.. )وهذا يفوق قدرتي تماماً”، تقول السيدة.
أما سهيلة، والدة إحدى المريضات، فتقول إنها اختارت المشفى الوطني بسبب وضعهم المعيشي السيئ: “لا نستطيع الذهاب لمشفى خاص، هنا ندفع قليلًا والخدمة جيدة”.
بين كلفة لا يستطيع الكثيرون تحملها في المشافي الخاصة، وخدمات متواضعة في الحكومية مع قيود تحدّ من استقبال بعض الحالات، يبقى قطاع الولادة في اللاذقية أمام أزمة معقّدة. فيما تستمر النساء، مثل رشا ورنا، في مواجهة ولادات صعبة لا بسبب الألم وحده، بل بسبب واقع اقتصادي وصحي يضيق مع كل يوم أكثر.