على أبواب الخراب.. عودة إلى البوعمر والعبد في دير الزور تكشف حجم المأساة

علي البكيع – دير الزور

على الطريق الممتد بمحاذاة نهر الفرات، كان محمد حمدان الذياب يتقدم ببطء نحو منزله في البوعمر. سنواتٌ قضاها نازحاً في دمشق، يحلم بيوم يعود فيه إلى بيته الذي بدأ ترميمه منذ 2018. لكن ما إن وصل إلى مشارف القرية حتى توقف طويلاً أمام مشهدٍ بدا كأنه خارج الزمن: جدران مهدمة، طرقات غارقة في الظلام، وخدمات تكاد تكون معدومة.

يقول محمد لنورث برس: “انصدمت (…) كأن الحرب انتهت للتو”.

محمد شخص من مئات العائدين إلى قرية البوعمر والعبد في ريف دير الزور الشرقي، حيث يكتشف السكان يومياً أن رحلتهم للعودة إلى منازلهم لا تشبه العودة إلى الحياة، بل إلى واقع أكثر قسوة مما تركوه.

وعلى ضفاف النهر، تقف القرية كشاهد صامت على حربٍ تركت خلفها دماراً يصل إلى 70% في بعض الأحياء، وسط خدمات شبه مشلولة وبيئة غير صالحة للعيش.

أزمة المياه: خطر يومي يهدد السكان

تتصدر مشكلة مياه الشرب المشهد المأساوي. يشرح محمد الذياب معاناة السكان قائلاً لنورث برس: “لدينا قرية مدمّرة وتعاني من نقص مياه الشرب، والمياه ملوثة جداً. كل السكان يشترون الماء من محطات التصفية، ومعظمهم لا يستطيع شراء فلاتر أو تركيبها وصيانتها”.

واضطر كثيرون إلى جلب المياه المفلترة من الميادين أو مركز مدينة دير الزور، في ظل غياب أي بديل محلي.

ويضيف أحمد علي، وهو أحد سكان القرية: “خزانات مياه الشرب خارجة عن الخدمة نهائياً ومُدمَّرة. تلوث المياه مصدره الأوساخ التي تعوم قرب الشراقات التي يتم سحب الماء منها. نطالب بتمديد الشراقات خمسة أمتار داخل النهر لضمان مياه نظيفة (…) الوضع لا يُحتمل”، يقول الرجل.

الأزمة لا تقتصر على مياه الشرب، بل تمتد إلى الري. يقول الذياب: “مياه السقي سيئة للغاية وتنقطع باستمرار بسبب الأعطال، والكثير من الأراضي لا تصلها المياه”، ما يزيد أعباء المزارعين.

خدمات مدمرة.. وكهرباء تترنح

لا ماء ولا كهرباء ولا بنى تحتية. فبحسب السكان، تعاني البوعمر والعبد من دمار بنسبة 70%، وتشمل الأضرار الطرقات والإنارة وشبكات المياه والري.

ويؤكد أحمد علي أن الكهرباء شبه معدومة ويقول لنورث برس: “الكهرباء سيئة، والمحول مدمّر. لدينا محول 50 في قرية الإصلاح، ومن شدة الحمولة ينزل القاطع الرئيسي دائماً. علينا المناوبة لرفع القاطع عند انقطاع التيار”. ويناشد السكان المنظمات الدولية للتدخل قبل أن تصبح الحياة مستحيلة.

ومنذ 14 عاماً لا يوجد فرن يعمل في القرية. يوضح مصعب خليل الخميس، صاحب مخبز الخميس في القرية لنورث برس: “الفرن خارج الخدمة منذ عام 2014، دمّره النظام البائد بالطيران الحربي. نعاني من تأمين الخبز وليس هناك إمكانية لإعادة تأهيل الفرن”.

ويضطر السكان للذهاب يومياً فجراً إلى قرية مو حسن لتأمين الخبز، فيما تزداد الأزمة مع بدء الموسم الدراسي. يقول الخميس: “نذهب الساعة الخامسة صباحاً لجلب الخبز. طلاب المدارس كثيراً ما يذهبون من دون فطور بسبب عدم توفر الخبز”.

أما الزراعة، التي يعتمد عليها معظم السكان، فهي تواجه تحديات خطيرة. يقول حمادي الهايس من قرية العبد لنورث برس: “نعاني من صعوبات كبيرة في الزراعة. لم نستلم ثمن محاصيل القمح والقطن منذ سنة تقريباً. حياة الناس تعتمد على هذا المال. الزراعة تحتاج عمال وسماد وبذور وحراثة… والفلاح عاجز الآن”.

ويطالب الهايس بإيصال صوت المزارعين وتسليمهم مستحقاتهم، خصوصاً مع استمرار أعطال محطات الري.

العائدون بين الصدمة والأمل

بحكم قرب البوعمر والعبد من مطار دير الزور العسكري، تعرضت القرية لقصف كثيف خلّف دماراً كبيراً. يقول محمد الذياب: “بلدتنا تضررت كثيراً لقربها من المطار. ما زلت أسكن في الشام ونأمل الانتهاء من تجهيز المنزل للعودة بشكل نهائي”.

ويوضح مصعب الخميس أن 50% من القرية والبنية التحتية والمدارس والكهرباء والمياه تعرضت للدمار.

ويختم قائلاً: “نطالب المحافظ والجهات المعنية بزيارة القرية لرؤية واقع الفرن ووضع السكان. كثير من الوافدين الذين عادوا من تركيا والشمال صُدموا بواقع الحال (…) الوضع مأساوي”.

تحرير: معاذ الحمد