دمشق – نورث برس
في خضم القرار الحكومي الأخير برفع تعرفة الكهرباء، وجد الشارع الاقتصادي السوري نفسه أمام موجة جديدة من القلق، إذ ترتفع الأصوات من داخل المعامل والمحلات التجارية التي تحذّر من تداعيات قد تعمّق جراح القطاعات الإنتاجية والتجارية، وتضغط أكثر على العمال والمستهلكين، في اقتصاد يواجه أصلاً تحديات قاسية.
من داخل قلب الصناعة، يؤكد عبد الله سروجي وهو أحد صناعيي دمشق لنورث برس، أن القرار ورغم ثباته بالنسبة للكهرباء الصناعية، إلا أن آثاره ستُصيب العمال مباشرة عبر التعرفة المنزلية المرتفعة، ما سيجبر أرباب العمل على رفع الأجور لتجنب تدهور وضع الطبقة العاملة.
لكن المفارقة المرّة، كما يوضح سروجي أن معظم الصناعيين غير قادرين على زيادة الرواتب في ظل منافسة شرسة من السلع الصينية والتركية الرخيصة، وغياب رقابة حقيقية على السوق، الأمر الذي يهدد المصانع السورية بالانكماش وربما الإغلاق.
ويضيف سروجي أن سلسلة التأثيرات طالت الجميع: الصناعي، التاجر، العامل، والمستهلك، ولم يعد أحد بمنأى عن الضرر. لذا يطالب بفرض جمارك عادلة على البضائع التركية والمستوردة لحماية المنتج المحلي، كاشفاً أن التهريب ما زال سيد الموقف، وأن بضائع تُباع بـ5 دولارات تدخل الأسواق عبر التهريب بكلفة لا تتجاوز دولارين، متسببة بخنق الإنتاج النظامي.
من جانبه، يرى التاجر عامر غلاوي أن السوق السوري بعد عام سقوط النظام السابق انفتح بلا ضوابط، فحدث خلل كبير، لكن قرار رفع التعرفة، بحسب وصفه “نسف ما تبقى”.
ويضيف لنورث برس: “التصدير يحتاج كهرباء ومحروقات رخيصة، وإن استمر الوضع على حاله، فإن الصادرات ستتوقف، وسيصبح التاجر مضطراً للاكتفاء بخدمة السوق المحلي فقط، مع تحميل المستهلك العبء الأكبر”.
أما التاجر بلال حواط فيصف في تصريح لنورث برس القرار بأنه “جائر بحق الشعب” ومفتقر للتوقيت المناسب، محذّراً من جمود قد يصيب السوق وارتفاع جديد في الأسعار، داعياً الحكومة لإعادة النظر فيه.
بينما يطالب التاجر وائل الجرودي بـ”تأجيل القرار عاماً كاملاً”، مؤكداً أن الشارع منهك وأن الرفع سينعكس مباشرة على أجور العمال وقدرتهم على الاستمرار.
ارتفاع التكاليف… وتأثيرات على الإنتاج والعمالة
من زاوية أكاديمية، يوضح د. عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، أن رفع التعرفة بنسبة تصل إلى 60% يأتي كواحد من أكثر القرارات تأثيراً على القطاعين الصناعي والتجاري. فالقطاع الصناعي، وخاصة الصناعات الثقيلة والتحويلية، يعتمد بشكل كبير على الطاقة، ما يعني زيادة فورية في تكلفة الإنتاج، وارتفاعاً في أسعار السلع النهائية، وبالتالي تراجع القدرة التنافسية محلياً وخارجياً.
هذه الزيادة، كما يشرح محمد لنورث برس، قد تدفع الشركات إلى خفض نفقاتها عبر تسريح العمال أو تقليص الإنتاج، ما يرفع معدلات البطالة ويزيد الضغط على الاقتصاد الكلي. وفي ظل تراجع الدخل وانتشار الفقر، فإن أي ارتفاع إضافي في الأسعار سيُفاقم الوضع المعيشي للمستهلكين.
لكن محمد يرى جانباً آخر للصورة: فالقرار قد يكون محاولة حكومية ضرورية لإصلاح قطاع الكهرباء المتهالك، وتقليل خسائره الكبيرة، وتمويل مشاريع تطوير الشبكة ـ شرط أن يجري التنفيذ بشفافية وكفاءة.
خيارات بديلة… وسياسات للتخفيف
ولتجنب الانعكاسات السلبية، يقترح محمد جملة من الإجراءات، أبرزها: “دعم القطاعات المتضررة عبر تخفيض الضرائب أو منح إعفاءات جمركية لمستلزمات الإنتاج. تحسين كفاءة الطاقة وتشجيع الصناعيين على تركيب معدات موفرة عبر حوافز أو قروض ميسرة. تعزيز الرقابة التموينية لمنع استغلال القرار ورفع الأسعار بشكل غير مبرر. اعتماد نظام شرائح يضمن استمرار الدعم للفئات الفقيرة ورفع التعرفة فقط على كبار المستهلكين”.
كما يرى أن بدائل أكثر عدالة كانت ممكنة، مثل إصلاح منظومة الدعم لتوجيهه بدقة للفئات الأكثر حاجة، أو فرض ضرائب تصاعدية على الأنشطة غير الإنتاجية عوضاً عن تحميل المنتجين أعباء إضافية. إضافة إلى تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية لزيادة الإيرادات دون المساس بالمستهلك.
ويختتم محمد بأن القرار يعكس معضلة حقيقية: كيف يمكن إصلاح قطاع الطاقة وضمان استدامته دون الإضرار بالإنتاج والعمالة؟ ولتحقيق هذا التوازن، يتوجب على الحكومة تبني سياسات اقتصادية شاملة، تدعم القطاع الإنتاجي، وتُحسن كفاءة الطاقة، وتضمن الشفافية، وتبحث عن إيرادات مبتكرة لا تزيد العبء على المواطن والصناعة، لضمان استقرار الاقتصاد والسير نحو تنمية مستدامة.