نور الدين عمر – حلب
في أحد معارض السيارات بحي الشعار في مدينة حلب، يقف عبد الرحمن شلاش (34 عاماً) أمام صف طويل من السيارات اللامعة التي لم تجد طريقها إلى البيع منذ أشهر. يشير بيده إلى إحدى السيارات ويقول لنورث برس: “قبل صدور القرار كنا نبيع يومياً سيارة أو اثنتين، لكن الآن السوق متوقف تماماً. الأسعار ارتفعت، والحركة شبه ميتة”، بحسب قوله.
وحال شلاش تختصر لا يختلف كثيراً عن مئات التجار في المدينة بعد صدور قرار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية في 29 حزيران/ يونيو 2025، القاضي بوقف استيراد السيارات المستعملة أو المعروفة محلياً بالسيارات الأوروبية، باستثناء بعض الفئات مثل الشاحنات وحافلات نقل الركاب الكبيرة وفق شروط محددة، مع السماح باستيراد السيارات الجديدة التي لا يتجاوز عمرها سنتين فقط.
هزة في السوق
يقول شلاش إن القرار “أوقف المنافسة في السوق”، موضحاً أنه “قبل صدوره كنا نحصل على سيارات مستعملة بأسعار معقولة، أما اليوم فالأسعار متقاربة بين الجميع، ولا تجديد في المعروض”.
ويضيف: “في الأيام الأولى بعد القرار، الناس خافت من ارتفاع الأسعار، فصار الإقبال كبيراً، لكن بعد فترة ارتفعت الأسعار فعلاً بنحو أربعة آلاف دولار للسيارة الواحدة، بسبب احتكار بعض التجار الذين رفضوا البيع بحجة عدم وجود بديل”.
ويتابع شلاش أن عدداً من السيارات ما زال ينتظر دخول البلاد عبر معبر نصيب، مشيراً إلى أن “هذه السيارات تم شحنها قبل القرار، وإذا سُمح بدخولها فسيؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار من جديد”.
ويطالب شلاش الحكومة بإعادة فتح باب استيراد السيارات وتخفيض الجمارك، قائلاً: “لو عاد الاستيراد كما كان، ستنخفض الأسعار إلى النصف تقريباً، وتصبح السيارات في متناول مختلف فئات المجتمع”.
كما نفى التاجر ما يُشاع عن دخول سيارات “مغرقة في مياه البحر” إلى السوق السورية، مؤكداً أن “عدد السيارات التي غرقت في دبي لا يتجاوز 2500 سيارة، بينما دخل إلى سوريا عدد أكبر بكثير، وجميعها نظامية وخالية من العيوب”.
توجه نحو السيارات الجديدة
في الطرف الآخر من المدينة، يرى عبد الله محمد (55 عاماً)، وهو صاحب معرض سيارات أيضاً، أن السوق شهد ارتباكاً مؤقتاً عقب صدور القرار، قبل أن يبدأ بالاستقرار تدريجياً.
يقول محمد لنورث برس: “عند صدور القرار، الناس انقسمت بين من خاف من الارتفاع فسارع للشراء، ومن توقع الانخفاض فانتظر. الأسعار ارتفعت بين 500 و1000 دولار أولاً، ثم استقرت بعد فتح باب التسجيل الإلكتروني للاستيراد الذي وصل إلى 250 ألف تسجيل، واستمر إدخال السيارات لشهرين أو ثلاثة أشهر”.
ويضيف أن “السوق الآن يتجه نحو السيارات الجديدة (الزيرو)، خصوصاً مع توجه الحكومة لفتح وكالات بيع بالتقسيط، بينما ضعف الطلب على السيارات المستعملة”.
ويرى محمد أن المشكلة لا تقتصر على القرار فحسب، بل تشمل ضعف البنية التحتية، قائلاً: “إذا قارنا عدد السيارات في سوريا بدول أصغر مثل البحرين أو قطر، سنجد أن العدد أقل بكثير رغم أن سوريا أكبر مساحة وأكثر سكاناً. السبب أن طرقنا متهالكة. في حلب مثلاً هناك 13 دوار ولا يوجد إلا عدد محدود من الأنفاق”.
ويختم حديثه بمناشدة الحكومة “إعادة تأهيل الطرق وتوسيعها لتخفيف الازدحام ومواكبة الزيادة في عدد السيارات”.
من جانبها، أوضحت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية (سانا) أن قرار وقف استيراد السيارات المستعملة جاء ضمن خطة لترشيد الإنفاق وتنظيم عملية الاستيراد بما ينسجم مع أولويات المرحلة الحالية، في ظل الضغوط الاقتصادية ونقص القطع الأجنبي.
وأكدت الوزارة أن الهدف من القرار هو “منع دخول السيارات ذات المواصفات الرديئة أو المتضررة خارج البلاد، والحد من ظاهرة التهريب وتزوير الوثائق، إضافة إلى تجديد أسطول النقل وتحسين السلامة العامة وتقليل التلوث البيئي”.
وحاولت نورث برس التواصل مع إدارة الجمارك في حلب لمعرفة أعداد السيارات التي دخلت البلاد منذ بداية التحرير، إلا أن الجمارك لم تقدم حتى الآن رقماً ثابتاً بهذا الشأن.
ويرى مراقبون أن القرار، رغم مبرراته الاقتصادية، تسبب بتباطؤ حركة السوق وارتفاع الأسعار، خصوصاً في المناطق الشمالية التي تعتمد بشكل كبير على تجارة السيارات المستعملة.
أما التجار، مثل عبد الرحمن شلاش، فلا يزالون يأملون في تغيير قريب، على حد قوله: “نحن لا نطلب إلا أن يعود السوق كما كان… حركة، منافسة، وأسعار بمتناول الجميع”.