عندما احترقت عامودا كلها في مكانٍ واحد: سينما شهرزاد

هوكر العبدو ـ عامودا

بعد خمسةٍ وستين عاماً، يمرّ العم رشيد فاطي بين أروقة ما تبقّى من “سينما عامودا” بخطواتٍ بطيئة ممسكاً بذاكرةٍ لم تبرد بعد؛ يقف أمام جدارٍ أبيض ما زال يحتفظ ببقعةٍ سوداء في زاويته الغربية، مشيراً: هنا بدأ كل شيء، وانتهى كل شيء”.

أحلام الوحدة العابرة للحدود

يروي العم قصة ليلةٍ، غيّرت وجه المدينة إلى الأبد. ما كان يتوقع أن يتحول بناء للترفيه خلال دقائق معدودة إلى محرقةٍ جماعية، أودت بحياة أكثر من ٢٠٠ طفلاً من أصدقائه وزملائه، كلهم من تلاميذ المدارس الابتدائية.

يعود بنا رشيد البالغ من العمر سبعةً وسبعين عاماً إلى زمنٍ كانت سوريا ومصر موحّدتين تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة”: “قالوا لنا إن حضور الفيلم واجب وطني، طلبوا من كل تلميذ أن يجلب أربعين قرشاً”.

طلبت السلطات السورية حينئذٍ من المدينة الصغيرة المنسية، على تخوم الحدود التركية، أن تفيض بأحلام الوحدة بين سوريا ومصر لحضور عرضٍ سينمائي ليرسل ريعه لدعم ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.

سينما لا تصلح لتربية الماشية

لم تكن “سينما شهرزاد” قاعة بالمعنى الحقيقي، بل كانت أشبه بفناءٍ متهالك وسقفٍ من القش وأعمدة خشب، وأبوابٍ ضيقة لا تتسع لجسدين معاً، لا يصلح حتى لتربية الماشية داخل أروقته، وفق تعبيره.

“في تلك الليلة، حُشر نحو ٤٠٠ طفل في القاعة الصغيرة. جلسوا متلاصقين، بين ضحكاتٍ متحمّسة وهم يترقبون العرض، قبل أن يتحوّل كل شيء إلى فوضى غير قابلة للسيطرة”.

حريق أشبه بالجحيم

في منتصف العرض، انقطعت الصورة وظهرت الشاشة بيضاء، كما يسرد العم رشيد: “ثم سمعنا صوتاً حاداً من خلفنا، أشبه بصوت صاروخ. التفتُّ ورأيت شريط الفيلم يشتعل وفي لحظاتٍ، غطّت النيران القاعة كلها”.

كانت مادة الفيلم شديدة الاشتعال، حاول المشغّل – واسمه قَيّا – إطفاءه، لكن اللهب حرق وجهه ويديه.” يصف رشيد، الذي عمل لاحقاً في صيانة المحركات: “كان لهيباً قويّاً لدرجةٍ لو غُمرَ في الماء لا ينطفئ”.

ما زال يتذكر تفاصيل الحادثة كما أنها تحدث الآن أمام عينيه، عندما تدافع الأطفال نحو الأبواب المغلقة، وسط الفوضى والزحام “تكدسنا فوق بعضنا محاولين النجاة”.

أجساد مكدسّة كالأسماك

ويضيف: “حاولت التسلل نحو الباب، لكنهم كانوا مكدّسين فوق بعضهم كالأسماك. رميت نفسي بينهم، وكنت أطول منهم قليلاً، لذلك احترقت ساقي بعد أن وصلت النيران إلينا”.

في الخارج، كانت المدينة كلها تصرخ: “أبناؤكم احترقوا. السينما احترقت!” ارتفعت أصوات الأمهات في الأزقة الضيقة، تنادين بأسماء فلذات أكبادهن في العتمة، كل بيتٍ في عامودا فقد شيئاً من قلبه تلك الليلة”.

يتنفس رشيد ببطء وهو يستعيد تلك اللحظة كما لو أنه يستحضر أشخاصاً يعرفهم بين صورٍ وأسماءٍ للضحايا معلّقة على الجدار الخلفي للنصب التذكاري الذي يرمز للعلاقة بين الحريق وثورة الجزائر، يقال إن الجزائريون أرسلوه.

أبطال وسط النيران

وسط الفوضى، ظهر محمد سعيد آغا، رجلٌ كان يجلس في المقهى حين سمع الخبر، ركض إلى السينما، فصاح به أحدهم:

“لا تدخل يا آغا! ابنك فهد بخير، نجا!”، لكنه ردّ وهو يندفع نحو النار: “كل هؤلاء أبنائي!”

يشير العم رشيد إلى صورةٍ جدارية في ساحة الحديقة التذكارية شيّدت لتخيلد بطولة سعيد آغا في إنقاذ الأطفال: “كان يدخل عبر الباب الشمالي ويخرج الأطفال على دفعات، حتى سقطت عليه جمرة كبيرة ومات وهو ينقذهم”.

نجاة رشيد من المحرقة

على الجانب الآخر، لا ينكر العم رشيد دور الشابين محمد جعفو ومحمد محسن حسو، وهما يسحبان الأطفال عند الباب الجنوبي: “كثيرون نجوا بفضلهم أيضاً لكنهم لم يدخلوا لعمق النيران كما فعل المرحوم سعيد آغا”.

 بفضل هؤلاء وما أتوا للمساعدة لاحقاً من سكان المدينة وعوائل الأطفال أخرج رشيد الذي كان يبلغ حينها اثني عشرة عاماً وألقي به في الخارج، يقول عن تلك اللحظة: “حينهما بدأت أتنفس بعدما كدت أختنق”.

وصلت أولى المساعدات في اليوم التالي، بسيارة مدير الناحية، لنقل الجرحى إلى المستشفى الوطني في القامشلي، لأنه لم تكن هناك سيارات إسعاف في المدينة، وقدمت تعويضاتٍ مالية لعوائل الضحايا لكنها لم تشفِ القلوب، ولم تُعِد الأطفال.

صباح الرماد

مع الصباح، كانت رائحة الحريق تغطي المدينة، نُقلت الجثث إلى الجامع، يقول: “رأيت هناك ما أعجز عن وصفه”. ويضيف بصوتٍ متهدّج: “جثث صغيرة، محروقة بالكامل أشبه بالحُملان المشوية”.

لم يتعرف سكان المدينة من بينهم رشيد على هوية كل الجثث لأن بعضها تحولت إلى أجزاء وبقايا عظام: “جمعوا ما تبقّى من عظامهم في أكياس ودفنوها في مقبرة جماعية عند تلة شرمولا”.

جيلٌ كاملٌ اختفى

في دقائق، جيل كامل اختفى في عرضٍ خيريٍّ لم يكتمل، يضيف رشيد بالقول: لو كانوا أحياء لكانوا الآن أطباء ومهندسين يخدمون مدينتهم ولكن للأسف لقد تدمّر جيل كامل”.

تعكس طريقة وقوفه أمام صورهم وأسمائهم، الوقار والاحترام، ناظراً نحو الصور المعلّقة أمامه بعينين يغلب عليهما التأمل والحزن، وقد شبك يديه خلف ظهره، ممسكاً بمسبحة، في إيماءةٍ توحي بالصبر والسكينة.

خمسة وستون عاماً مرّت، لكن النار لا تزال مشتعلة في ذاكرته، يصف المشهد وكأنه يراه الآن: “أتذكر كلَ شيء وكأنه يحدث الآن عند ناظري ومسمعي كفلمٍ سينمائيٍ يدور في رأسي”.

لا تزال المدينة، تَحمل في وجدانها ندبة لا تلتئم، كل بيتٍ فيها فقد طفلاً أو قريباً. الناجون باتوا قلائل، يجتمعون كل عام، مع عوائل الضحايا في الحديقة تخليداً لذكراهم، ثم يعودون إلى حياتهم التي لم تعد كما كانت: نحاول أن نعيش،” يقول رشيد.

فكرة افتعال الحادثة

لا يتفق العم رشيد مع الفكرة التي تشير بافتعال الحادثة من قبل السلطات: “كان بين الضحايا أبناء مسؤولين وضباط منهم ابن رئيس المخفر وابن قائد فصيل، لو كانت مدبّرة، هل كانوا سيحرقون أبناءهم؟” يتساءل رشيد.

من وجهة نظره وحسب تجربته بكونه تلميذ ناجٍ من الحريق، هناك سببان أساسيان للحادثة أولهما أن السلطات حينئذٍ أعطت الترخيص لتحويل بناء سيء للغاية إلى قاعة سينما والآخر هو المادة شديدة الاشتعال المستخدمة في الفلم.

في فناءالحديقة تقف شجرةٌ منحنية بجذعٍ مائل نحو الأرض. يشير إليها العم رشيد ويقول: “انحنت من تلقاء نفسها إجلالاً لأرواح الأطفال وتقدم لهم الشكر”.

على الأرض شعلة نار مصنوعة من الحجر كسر أجزاء منها، يقول رشيد: “ذات مرة رأيت أحد الزوار يقف على الشعلة ليلتقط صورة”. يروي ذلك بأسى وكأن أحداً كان واقفاً على قلبه. 

إرث لم يُنصف

كانت آثار الإهمال واضحة على اللوحات الممزقة، والطلاء المتآكل، وتبدو الصور باهتة، والأسماء ممزقة، يقول رشيد غاضباً وهو يتجادل مع حارس المكان: “كيف تسمحون للأطفال والزوار بالعبث هنا؟

لم تفعل الحكومات السورية الكثير لتوثيق الحادثة، ولم تفتح تحقيقات جدية لانصاف الضحايا ولم تُؤسَّس ذاكرة مؤسساتية تحفظ الحدث كما يجب لتبقى القصة ذاكرة شفوية تُروى على لسان الناجين الذين باتوا قلائل.

تحرير: معاذ الحمد