من مقاعد الدراسة إلى طوابير البطالة: ضحايا التعليم في زمن الحرب السورية

عمر عبد الرحمن – دير الزور

أثرت الحرب في سوريا على المنظومة التعليمية في البلاد بشكل كبير، إذ تحولت المدارس إلى ساحات قتال وملاجئ للنازحين، وتشتت الطلاب والمعلمون.

أدت سنوات الصراع الطويلة إلى انهيار البنية التحتية للتعليم وحرمان ملايين التلاميذ والطلاب من مقاعد الدراسة، تاركة وراءها جيلاً كاملاً نشأ بلا تعليم ولا أفق واضح للمستقبل.

ومع مرور الوقت، باتت آثار هذا الانقطاع عن التعليم تتجلى في ارتفاع معدلات الأمية والبطالة بين الشباب الذين وجدوا أنفسهم اليوم أمام واقع اقتصادي واجتماعي صعب.

صعوبة الاندماج

اليوم، ومع انتهاء المعارك بشكل شبه كلي بعد سقوط نظام الأسد، يواجه الشباب الذين كبروا في ظل الحرب واقعًا صعبًا. فالكثير منهم باتوا بلا شهادات أو مهارات تمكنهم من الاندماج في سوق العمل، بينما تفرض المؤسسات الحكومية، وحتى العسكرية، شروطاً تعليمية جديدة حالت دون انضمام غير المتعلمين إليها. هذا الواقع المأساوي يطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل هؤلاء الشباب الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين الفقر واليأس.

يقول أبو أحمد، وهو أب لثلاثة أطفال من مدينة دير الزور، في حديثه لـنورث برس: “عاش أطفالي طفولة مختلفة تمامًا عما حلمت لهم بها. أحمد، ابني الكبير، كان متفوقًا ويحلم بأن يصبح طبيباً، لكن الحرب دمرت مدرسته عام 2013، وانقطعت دراسته نهائياً. اليوم يبلغ 23 عاماً ولا يجد عملًا لأنه لا يملك شهادة تعليمية، حتى الأعمال البسيطة ترفضه لأنها تطلب حاملي شهادات”.

ويضيف الأب بحسرة: “حاول أحمد التطوع في الجيش بعد تحسن الأوضاع، لكنه فشل في اختبار القراءة والكتابة. يشعر بالإحباط ويقول لي دائماً: يا أبي، أشعر أنني عالة على العائلة. ليس هو فقط، بل أبنائي الآخرون أيضاً لا يعرفون القراءة. حاولت تعليمهم بنفسي، لكنني لم أتعلم من قبل. الحرب سرقت مستقبلهم”.

بينما يصف أيهم الصبار، وهو شاب من دير الزور، معاناته قائلاً: “كنت في الصف الثامن عندما بدأت الحرب. ظننت أننا سنعود إلى المدرسة خلال أيام، لكنها تحولت إلى مركز إيواء ثم إلى ركام. حاولت العمل في مهن بسيطة، لكن الأجور لا تكفي للعيش. وعندما فُتح باب التطوع في الجيش فرحت، لكنهم رفضوني لأنني لا أملك شهادة التعليم الأساسي”.

وشهد قطاع التعليم في محافظة دير الزور خلال فترة الحرب بسوريا تدهوراً حاداً، مما أدى إلى ارتفاع كبير في معدلات التسرب المدرسي بين الطلاب. وكان عدد المدارس في المحافظة في عام 2011 حوالي 707 مدرسة، منها نحو 50 مدرسة تعرضت للتدمير الكلي، و168 مدرسة تضررت جزئياً، في حين بقيت 407 مدرسة فعالة لكنها بحاجة مستمرة إلى أعمال صيانة وترميم لضمان استمرارية العملية التعليمية.

وكان يبلغ عدد الطلاب في دير الزور أكثر من 200 ألف طالب قبل الحرب، إلا أن العديد منهم توقف عن التعليم نتيجة لتدمير المدارس، ونقص الكادر التعليمي المؤهل، ونقص الإمكانيات التعليمية الأساسية. وتشير التقارير إلى أن سوريا بأكملها تواجه أزمة حادة في التعليم، حيث يوجد نحو 2.5 مليون طفل متسرب من المدارس، إضافة إلى مليون طفل آخر معرض لخطر التسرب، وتعد دير الزور من أبرز المناطق المتضررة بسبب آثار الحرب والدمار.

أزمة إنسانية

ويتابع أيهم بصوت حزين: “اليوم لا أستطيع إكمال تعليمي لأنني لا أملك المال، ولا أجد عملًا لأنني بلا شهادة. أرى أصدقائي يهاجرون، لكنني لا أريد مغادرة بلدي. نحن الجيل الذي ضحى بمستقبله بسبب الحرب، والآن يُعاقب لأنه لم يتعلم. نريد حلولاً حقيقية، لا وعوداً فارغة”.

من جانبه، يرى المهندس والناشط محمد العواد، الخبير في قضايا الشباب والبطالة، أن ما تواجهه سوريا اليوم “ليس مجرد أزمة تعليم، بل أزمة إنسانية واجتماعية تهدد مستقبل البلاد”.


ويقول العواد لـنورث برس: “نواجه جيلاً كاملاً يعاني من فجوة تعليمية عميقة وصدمات نفسية وشعور بالإقصاء. الحل يتطلب برامج مكثفة تجمع بين التعليم الأساسي والتدريب المهني. يجب تأهيل الشباب لمهن يحتاجها سوق العمل، مثلما فعلت دول خرجت من حروب طويلة”.

ويقترح العواد ربط برامج التجنيد العسكري بالتعليم والتدريب، بحيث يحصل المتطوعون على فرص للتعلم أثناء خدمتهم. لكنه يشدد على أن “الحلول تحتاج إلى إرادة سياسية وتنسيق حقيقي بين الحكومة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني”.

ويختتم العواد حديثه بتحذير واضح: “إذا لم نتحرك بسرعة لمعالجة هذا الملف، فإننا نخاطر بتحول جيل كامل إلى بيئة خصبة للتطرف والجريمة. إعادة دمج هؤلاء الشباب في المجتمع ليست خياراً، بل ضرورة وطنية لبقاء سوريا واستقرارها”.


إن أزمة التعليم في سوريا تمثل واحدة من أخطر تبعات الحرب، إذ ولّدت جيلاً ضائعاً يفتقر إلى المعرفة والمهارات والفرص. ويرى مراقبون أن إنقاذ هذا الجيل يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية.

تحرير: معاذ الحمد