ريف الحسكة .. الثروة الحيوانية بين الجفاف وغلاء الأعلاف

سامر ياسين – الحسكة

تراجعت أعداد قطعان الأغنام والأبقار في ريف الحسكة خلال السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، نتيجة موجات الجفاف المتكررة وارتفاع أسعار الأعلاف وشح الأمطار، ما وضع الثروة الحيوانية في المنطقة أمام خطر حقيقي.

ويعاني مربو المواشي من صعوبات متزايدة في تأمين الأعلاف ومستلزمات التربية، في ظل غياب الدعم وتراجع المراعي الطبيعية.

جفاف

ومع اضطرار كثيرين إلى بيع جزء من قطعانهم لإطعام ما تبقّى منها، يخشى المربون من أن يؤدي استمرار الجفاف إلى اندثار مصدر رزقهم الرئيسي.

ويبدأ مهند الكريص، غنّامي ومربي مواشي من ريف الحسكة الجنوبي، حديثه عن سنوات الجفاف الأخيرة التي قلبت حياته كمربي رأسا على عقب ويقول “سابقاً كنا نملك نحو 300 رأس غنم، ولكن مع بداية الجفاف بدأت المواشي تتأثر، بعضها يموت والبعض الآخر يأكل قسم من البقية بسبب قلة الزراعة وغلاء الأعلاف”.

وتشهد أسواق المواشي في الحسكة وريفها ضعفاً كبيراً في حركة البيع والشراء بسبب التدني الكبير في أسعار المواشي عقب سنوات من الجفاف التي ضربت المنطقة، والتي صادفها شح كبير للأمطار ما أدى لنقص الأعلاف كالقمح والشعير والتبن، مما صعّب على المربين شرائها لعلف مواشيهم.

ويقول “الكريص” لنورث برس أنه اليوم، يبيع من قطيعه نصف المواشي ليتمكن من إعالة النصف الآخر موضحاً “من يملك 100 رأس في هذه الأيام يضطر لبيع 50 منها لإطعام البقية، طن التبن وصل سعره لمليوني ليرة، والمواشي تُباع بمليون ليرة فقط، فكيف يستطيع المربي تدبير أموره؟”، يتساءل مهند.

ويضيف، أن الجزارين يشترون المواشي التي اعتنى بها المربون ويبيعون اللحم بأسعار مرتفعة، بينما الخاسر الدائم هو المربي، ومع قلة الأمطار وارتفاع أسعار الأعلاف، يخشى أن يؤدي تكرار سنوات الجفاف إلى انتهاء الثروة الحيوانية بالكامل، حسب تعبيره.

ويشير مهند إلى أن الأمراض المرتبطة بالجفاف تتزامن مع قلة الأعلاف، فتزيد من الخسائر بشكل كبير، ويضيف “في العام الماضي فقط خسرت نحو 18 رأس غنم نفقوا نتيجة الجفاف والأمراض، ومع استمرار الوضع الحالي نخشى أن تتكرر الخسائر ويختفي جزء كبير من الثروة الحيوانية”.

ويختم “الكريص” حديثه بالقول “إذا استمر الجفاف وارتفاع الأسعار، يمكن اعتبار أن الثروة الحيوانية في المنطقة مهددة بالانقراض”.

غلاء

عبد العزيز الصالح، مربي مواشي أيضاً من ريف تل تمر، يشير إلى أن صعوبة تأمين الأعلاف جعلت تربية المواشي شبه مستحيلة هذه الأيام، ويقول “شوال الشعير وصل إلى نحو 800 ألف ليرة، والحنطة بنفس السعر تقريباً، ولا يوجد أي دعم للمربين منذ عدة سنوات”.

وأوضح “الصالح” خلال حديثه لنورث برس، أن المصروف على المواشي لا يتناسب مع أسعارها في السوق، مضيفاً أنه يضطر لبيع قسم من القطعان بأسعار زهيدة لتأمين أعلاف البقية.

ويردف عبد العزيز، “تربية المواشي باتت صعبة جداً، فإذا أردت إطعام خروف صغير، عليك أن تعطيه شوال شعير كامل خلال فترة تربيته، ليصبح جيد الوزن وتستطيع بيعه”.

ويشير عبد العزيز إلى أن غياب الدعم يجعلهم يعتمدون على السوق المحلي أو السوق السوداء للحصول على الأعلاف، ما يزيد العبء المالي ويجعل استمرار تربية المواشي شبه مستحيل في ظل استمرار الجفاف، بحسب كلامه.

البيع بخسارة

علي عزو، دلّال في سوق المواشي بتل تمر، أكد أن السوق يشهد ركوداً كاملاً بسبب شح الأمطار وارتفاع أسعار الأعلاف وإغلاق باب تصدير المواشي، وقال هو الآخر لنورث برس، “الوضع سيء للغاية، لا يوجد أي حركة بالبيع والشراء، والشعير وصل كيلوغرامه 6 آلاف ليرة والتبن 2 آلاف”.

وأشار “عزو” لنورث برس إلى أن غياب الرقابة على محلات القصابة والجزارين هو من يجعلهم يتحكمون بأسعار البيع، حيث يشترون المواشي بأسعار منخفضة ويبيعون اللحم بأسعار مرتفعة تصل إلى 150 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.

راضي الأحمد، دلّال في سوق المواشي ببلدة تل تمر، وصف كسابقه الوضع الحالي بأنه “سيء للغاية” نتيجة غلاء الشعير والأعلاف، ما أدى لتدني كبير في أسعار المواشي، وأوضح أن سعر كيلو التبن وصل إلى 3 آلاف ليرة، والشعير 6 آلاف ونصف، والقمح 4 آلاف، ما يجعل تربية المواشي صعبة للغاية.

وأشار “الأحمد” خلال حديثه لنورث برس إلى أن سعر كيلوغرام اللحم في الأسواق يجب أن يكون أقل من 80 ألف ليرة سورية، لكن الجزارين يضعون التسعيرة حسب رغبتهم، رغم شرائهم للمواشي بأسعار منخفضة، حيث تصل قيمة الماشية الجيدة إلى نحو مليون و800 ألف ليرة وتزن أكثر من 25 كيلوغراماً من اللحم.

وأضاف، أن “المصاريف على كل نعجة أو ماشية تشمل شوال شعير يصل سعره إلى 600 ألف ليرة بالإضافة إلى التبن والطبابة، ما يجعل المربي غالباً خاسراً عند البيع”، حسب وصفه.

وحذر من أن استمرار هذا الوضع الذي قد يؤدي إلى انقطاع الثروة الحيوانية بالكامل عن المنطقة، مشيراً إلى أن السوق اليوم فارغ تقريباً، وبعض المواشي تراجعت أسعارها إلى 400 ألف ليرة، في حين تكلف تربيتها مئات الآلاف، ويكاد المربي بالكاد يدبر أمور منزله وأولاده أثناء محاولته الاستمرار في تربية المواشي، بحسب راضي.

تحرير: معاذ الحمد